تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 466)جامع البيانالطبري١٨/٤٦٦: يروي الطبري عن قتادة وابن عباس ومجاهد في تصوير دهشة المعرض في أرض المحشر حين يُبعث أعمى لا يبصر شيئاً، فيصرخ متسائلاً ومحتجاً في حسرة وذهول: {قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَىٰ}: أي يا رب لأي شيء سلبْتَ بصري وبعثتني أعمى إلى هذا الموقف الهائل؟ {وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}: وقد كنت في دار الدنيا مبصراً بالأعين أرى الأشياء وأتقلب فيها بغير عمى؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 355)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٥: يوضح ابن كثير أن هذا السؤال من الكافر سؤال تحسر وانكسار وشكوى لما نزل به من العقوبة المادية الشنيعة، حيث حُرم البصر في أحوج المواقف إليه، وتذكر كيف كان في الدنيا صحيح الجوارح مبصراً، فيعظم عليه البلاء والندم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 355)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٥٥: يبين القرطبي أن قوله: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} يحتمل أن يكون بصر العين فقط، ويحتمل أن يزعم أنه كان على بصيرة ورشد في دنياه بزعمه الباطل، والأول أظهر في السياق لكونه تذكيراً بالصحة الجسدية التي كان يتقلب فيها في الدنيا.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 367)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٦٧: يشير ابن عاشور إلى أن قول الكافر {رَبِّ} في هذا المقام ليس نداء إيمان متقبل بل هو نداء اضطرار واعتراف بالربوبية بعد فوات الأوان، حين سقطت كل المعبودات الباطلة ولم يبقَ إلا الحي القيوم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
لِمَ: اللام حرف جر للتعليل، وما استفهامية حذفت ألفها لدخول حرف الجر عليها تخفيفاً وفرقاً بينها وبين الموصولة.
حَشَرْتَنِي: الحشر: الجمع والسوق إلى الحساب.
بَصِيرًا: البصير: ذو البصر الحسي بالعين، أو ذو البصيرة بالقلب.
الإعراب والتركيب:
قَالَ: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر تقديره المعرض.
رَبِّ: منادى مضاف بحرف نداء محذوف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف.
لِمَ: اللام حرف جر، وما اسم استفهام مبني في محل جر باللام متعلق بـ حشرتني.
حَشَرْتَنِي: فعل ماضٍ مبني على السكون، والتاء فاعل، والنون للوقاية، والياء مفعول به.
أَعْمَىٰ: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة المقدرة على الألف للتعذر.
وَقَدْ: الواو حالية، وقد: حرف تحقيق.
كُنتُ: فعل ماضٍ ناقص واسمه.
بَصِيرًا: خبر كان منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والجملة في محل نصب حال من ضمير المفعول في حشرتني.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تجسيد حي للموقف الحواري في المحشر؛ فبعد تقرير عقوبة العمى، نقل القرآن صرخة الجاني المرتعدة واستفساره المذهول أمام بارئه.
التناسب البلاغي: المقابلة البديعة بين الحالين: {أَعْمَىٰ} في الآخرة، و{بَصِيرًا} في الدنيا؛ لإبراز التفاوت الصادم الذي يوجب الحسرة الأبدية.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل كان الكافر بصيراً حقاً في الدنيا حتى يقول: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا}، والقرآن يقول فيهم: {صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَرْجِعُونَ}؟
دفع الشبهة والتفريق بين البصر والبصيرة:
نفي البصر عنهم في آيات الدنيا (عمي) هو نفي لبصر البصيرة والاعتبار؛ أي عمي عن إدراك الحق والانتفاع بالآيات، مع وجود بصر الأعين الحسي.
قوله هنا: {وَقَدْ كُنتُ بَصِيرًا} هو إثبات لبصر العين المادي الذي كان يرى به الطرق والأشياء في الدنيا وسُلب إياه في الآخرة، فلا تناقض ألبتة.
حذف ألف (ما) في {لِمَ} للاختصار والسرعة وملاءمة مشهد الذهول والدهشة.
الطباق التام بين {أَعْمَىٰ} و{بَصِيرًا}.
التدبر الإشاري: يا لحسرة من كان له عينان يبصر بهما في الدنيا، ولكنه لم يستعملهما في النظر في آيات الله والمصحف والاعتبار بخلقه، فكان جزاؤه أن يسلب نورهما يوم القيامة أحوج ما يكون إلى النور والهدى.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تذكير الناس بأن النعم الجسدية (البصر، السمع، العقل) أمانات سيسأل عنها العبد: {إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا}.
التحذير من التعامي عن الحق في الدنيا حتى لا يكون العمى مآلاً حتمياً في الآخرة.
الأثر التربوي والإيماني:
دوام شكر الله على نعمة البصر، وتسخير العين في تلاوة القرآن وتدبر آلاء الله، والتعوذ بالله من عمى القلوب وعمى العيون في المحشر.