فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ
فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ
تتضمن هذه الآية الكريمة أعظم دستور قرآني في فن الخطاب الدعوي والسياسي؛ حيث أمر الله تعالى نبييه موسى وهارون بمخاطبة فرعون باللين والرفق والحكمة؛ قال الطبري في جامع البيان (18/340)مصدر غير محدد١٨/٣٤٠: «يقول تعالى ذكره لهما: فإذا أتيتما فرعون فخاطباه بالرفق واللين، ولا تخاطباه بالعنف والقسوة، وادعواه بألطف عبارة وألين قول؛ رجاء أن يتذكر فيراجع التوبة، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه وظلمه». وروى ابن أبي حاتم وابن جرير عن علي بن أبي طالب وابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا} قالا: «قولا له: هل لك إلى أن تزكى؟ وأهديك إلى ربك فتخشى؟ واكنياه بأحب أسمائه». وقال قتادة في هذه الآية كلمة هزت القلوب: «سبحانك يا رب! ما أحلمك وأعظمك! إذا كان هذا حلمك بفرعون الذي قال: "أنا ربكم الأعلى"، وكذب بآياتك؛ فكيف حلمك بعبد سجد لك وقال: "سبحان ربي الأعلى" وآمن بك؟». وقال ابن كثير في تفسيره (5/276)مصدر غير محدد٥/٢٧٦: «هذه الآية فيها عبرة عظيمة؛ وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أُمر ألا يخاطب فرعون إلا بالرفق واللين؛ كما قال يزيد الرقاشي عند تلاوة هذه الآية: يا من يتحبب إلى من يعاديه، فكيف بمن يتولاه ويناديه؟». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/200)مصدر غير محدد١١/٢٠٠: «أمرهما باللين لئلا ينفر، وتلك سنة الدعوة إلى الله؛ قال سفيان الثوري: القول اللين: التعريض دون التصريح، والترغيب والترهيب بالتي هي أحسن». وقال السعدي في تفسيره (ص 504)مصدر غير محدد٥٠٤: «القول اللين هو القول اللطيف الرقيق الهين الدال على الشفقة والحرص على هداية المخاطب؛ ليكون ذلك أدعى لاستجابته، وأقطع لمعاذيره؛ فإن الغلظة والخشونة تنفر النفوس وتقطع حبال التواصل».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التوجيه الإلهي يمثل قمة الحكمة النبوية في مواجهة الاستبداد؛ فبعد أن أمرهما بالذهاب إلى طاغية زمانه {إِنَّهُ طَغَىٰ}، قد يتوهم الواهم أن مواجهة الطاغية تكون بالصراخ والسباب والغلظة والعنف اللفظي، فجاء التعقيب المباشر بالفاء الفصيحة ليحسم المنهج: {فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا}. وهذا التناسب يعلم الدعاة أن إدانة الطغيان والصدع بالحق لا تعني السقوط في مستنقع الشتائم أو الرعونة؛ فالقوة الحقيقية في قوة البرهان، واللين في الأسلوب هو الذي يفتح القلوب أو يقطع المعاذير.