قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ
قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ
تتضمن هذه الآية الكريمة أعظم جواب وأوجز تعريف بالرب الخالق في تاريخ النبوات؛ حيث اختصر كليم الله موسى فلسفة الوجود والإتقان الحيوي والكوني في كلمات معدودات بهرت العقول؛ قال الطبري في جامع البيان (18/350)مصدر غير محدد١٨/٣٥٠: «يقول تعالى ذكره: قال موسى مجيباً لفرعون عن سؤاله: ربنا الذي نعبده وندعوك إليه، هو الذي أعطى كل شيء من خلقه صورته وشكله وهيئته التي تليق به وتصلح له، ثم هداه لما يصلحه في معاشه ومطعمه ومشربه ومسكنه وتناكحه؛ قال ابن عباس رضي الله عنهما: أعطى الإنسان خلق الإنسان، والفرس خلق الفرس، والبعير خلق البعير، والشاة خلق الشاة، وهدى كل مخلوق إلى ما يصلح له في معيشته». وقال مجاهد وعكرمة وقتادة والضحاك: «{أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ} أي: أعطى كل ذي خلق صورته التي تلائمه؛ فلم يجعل خلق الإنسان كخلق البهيمة، ولا خلق البهيمة كخلق الطائر، ثم هداه لغذائه ومعاشه ومصالحه، وهدى الذكر لمواقعة الأنثى، وهدى النملة لمسكنها وحفظ زادها». وقال ابن كثير في تفسيره (5/277)مصدر غير محدد٥/٢٧٧: «هذا جواب كليم الله موسى لفرعون حين سأله عن ربه؛ وهو جواب في غاية الإحكام والبيان والوجازة والإفحام؛ أي: ربنا هو الخالق المدبر، الذي أعطى كل مخلوق صورته التي لا تشبه غيرها، وأعطى كل عضو شكله ووظيفته، ثم هدى كل مخلوق إلى ما خُلق له من المنافع؛ فمن كان هذا شأنه فهو الرب الحق المستحق للعبادة وحده، لا هذا الطاغية العاجز فرعون». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/204)مصدر غير محدد١١/٢٠٤: «هذا من أبلغ الكلام وأجمعه للدلائل؛ جمع فيه بين برهان الخلق وبرهان العناية؛ فالخلق يدل على القدرة، والهداية تدل على الحكمة والرحمة». وقال السعدي في تفسيره (ص 504)مصدر غير محدد٥٠٤: «هذا برهان عقلي قاطع لا يقبل النقض؛ فالذي أعطى جميع الموجودات خلقها اللائق بها في أحسن تقويم، ثم هداها لمصالحها الفطرية الدقيقة، هو الرب العظيم الذي يجب أن يخضع له كل مستكبر».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا الجواب النبوي يمثل ذروة الحكمة وحسن الحوار؛ ففرعون سأل مستنكراً: {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ} باحثاً عن وصف شكلي أو مكاني يقيده ليطعن فيه بسفسطته، ففاجأه موسى بربط الربوبية بالأثر الكوني المشاهد الذي لا يستطيع فرعون ولا غيره إنكاره! والنظم هنا يجمع بين ركني الوجود العظيمين: