تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 432)جامع البيانالطبري١٨/٤٣٢: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في سعة علم الله تعالى وإحاطته بالخلائق: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ}: أي يحيط علمه بما يستقبلونه من أمر الآخرة وما هو قادم عليهم، وما خلفوه وراءهم من أمر الدنيا وأعمالهم فيها، وقيل: يعلم ما بين أيديهم من السماء وما خلفهم من الأرض، وقيل: ما قدموا وما أخروا من الحسنات والسيئات، {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}: أي والخلائق جميعاً من ملائكة وإنس وجن لا يحيطون بالله ولا بذاته ولا بصفاته ولا بعلمه علماً؛ لعظمة كبريائه وقصور مدارك المخلوقين عن الإحاطة بالخالق العظيم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 342)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٢: يوضح ابن كثير أن علم الله محيط بجميع الكائنات في ماضيها وحاضرها ومستقبلها، في حين أن المخلوقين قاصرون عاجزون لا يعلمون من الله ومن ملكوته إلا ما علمهم إياه سبحانه، كما قال في آية الكرسي: {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 323)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٢٣: يبين القرطبي أن الضمير في {بِهِ} يعود على الله تعالى؛ أي لا يحيطون بذاته وكيفية صفاته، أو يعود على المعلوم؛ أي لا يحيطون بمعلوماته وأسرار قضائه وتدبيره، وكلا الوجهين دال على كمال الرب ونقص المربوب.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 339)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٣٩: يحلل ابن عاشور المناسبة بين هذه الآية وآية الشفاعة؛ فالله يعلم استحقاق العباد وأحوال الشفعاء والمشفوع لهم إحاطة تامة لا يشاركهم فيها أحد، فلا يتقدم أحد بالشفاعة إلا لمن يعلم الله أهليته لها.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ: كناية عن المستقبل أو المشاهد الحاضر.
مَا خَلْفَهُمْ: كناية عن الماضي أو الغائب المستتر.
لَا يُحِيطُونَ: الإحاطة: استيعاب الشيء من جميع جوانبه وجهاته حتى لا يند منه شيء.
عِلْمًا: تمييز محول لبيان نوع الإحاطة ونفيها.
الإعراب والتركيب:
يَعْلَمُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الرحمن.
وَمَا: الواو عاطفة، وما معطوف على ما السابقة في محل نصب.
خَلْفَهُمْ: ظرف مكان متعلق بمحذوف صلة الموصول، والهاء: مضاف إليه.
وَلَا: الواو حالية أو عاطفة، ولا: نافية.
يُحِيطُونَ: فعل مضارع مرفوع بثبوت النون، والواو: فاعل.
بِهِ: جار ومجرور متعلق بـ يحيطون.
عِلْمًا: تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة (أو مفعول مطلق).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تعليل لمنع الشفاعة بغير إذن؛ فالشفاعة تتطلب معرفة دقيقة بأحقية المشفوع له، والعباد لا يحيطون بذلك علماً، بينما الله محيط بماضيهم ومستقبلهم وظواهرهم وبواطنهم، فكان الحكم في الشفاعة راجعاً إلى علمه وحده.
التناسب البلاغي: المقابلة العظيمة بين إثبات العلم المحيط لله تعالى {يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ} وبين نفي الإحاطة عن الخلائق أجمعين {وَلَا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: إذا كان الخلائق لا يحيطون به علماً، فهل ينفي ذلك معرفة المؤمنين بربهم وتوحيدهم له؟
دفع الشبهة ودقة التفريق بين العلم والإحاطة:
الإحاطة أخص من أصل العلم؛ فالعبد يعلم ربه بأسمائه وصفاته وأفعاله، ولكنه لا يحيط بذات الله وكيفية صفاته؛ لأن الإحاطة تستلزم استيعاب الشيء وحصره من كل وجه، والله سبحانه أعظم وأجل من أن يحصره عقل مخلوق أو بصر ناظر.
كما أن البصر يرى ربه يوم القيامة حقاً كما يرى القمر ليلة البدر ولا يحيط به بصراً: {لَّا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ}، فكذلك العقل يعلم ربه ولا يحيط به علماً.