تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى
تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى
يعقب الله سبحانه وتعالى ببيان مصدر هذا الكتاب العظيم وجلال منزله؛ ليدرك المتدبر فخامة هذا الخطاب وعظم شأنه؛ قال الطبري في جامع البيان (18/277)مصدر غير محدد١٨/٢٧٧: «يقول تعالى ذكره: نزل هذا القرآن تنزيلاً من عند من خلق الأرض فبسطها ومهدها لمعايش عباده، وخلق السماوات العلى فرفعها بغير عمد ترونها؛ يعني بالعلى: الرفيعة العالية التي تعلو كل شيء تحتها». وقال ابن كثير في تفسيره (5/267)مصدر غير محدد٥/٢٦٧: «أي: هذا القرآن الذي جاءك يا محمد هو تنزيل من ربك، رب كل شيء ومليكه، القادر على ما يشاء، الذي خلق الأرض بانخفاضها وكثافتها، وخلق السماوات العلى في ارتفاعها ولطافتها؛ وهذا تنبيه على عظمة القرآن بعظمة منزله وموجده سبحانه وتعالى». وقال السعدي في تفسيره (ص 502)مصدر غير محدد٥٠٢: «ذكر خلقه للأرض والسماوات العلى دليلاً على كمال قدرته وعظم سلطانه، فمن كان هذا خلقه وهذا ملكه، فإن كلامه حق وأمره صدق وتنزيله برهان قاطع لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): ترتبط الآية الكريمة بالآية السابقة ارتباط البيان بالمجمل والبرهان بالدعوى؛ فبعد أن وصف القرآن بأنه تذكرة لمن يخشى، بين جلال مصدره ومقامه الرفيع: إنه ليس من وحي الكهان، ولا من اختلاق البشر، بل هو تنزيل صادر ممن بيده مقاليد الوجود، ومبدع الأجرام العظام (الأرض والسماوات العلى). وهذا الربط يسكب في قلب النبي صلى الله عليه وسلم وأتباعه عزة لا تدانيها عزة؛ فإن من كان معه كلام خالق السماوات والأرض، لا يضره كيد المشركين ولا يثنيه استكبار الجاحدين.