تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 348)جامع البيانالطبري١٨/٣٤٨: يروي الطبري أن فرعون لما رأى صنيع السحرة وسقوطهم سجداً وإعلانهم الإيمان، صعق وطاش عقله وأحس بانهيار هيبته وسلطانه أمام رعيته، فلجأ إلى البطش والإرهاب، وقال منكراً ومستكبراً: {آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}: أي أصدقتم بموسى واتبعتموه دون إذني وأمري؟ ثم اختلق فرية مكشوفة ليرقع بها هزيمته أمام الناس، فقال: {إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ}: زاعماً أن ما جرى مؤامرة مدبرة بين موسى والسحرة لإسقاط الدولة. ثم توعدهم بأشنع أنواع العقاب: تقطيع الأطراف من خلاف (اليد اليمنى مع الرجل اليسرى)، والصلب على جذوع النخل، والتعذيب حتى الموت.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 313)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٣: يبين ابن كثير حماقة فرعون وتناقضه؛ فإنه هو الذي استدعى السحرة من مدائن مصر وجمعهم من أطراف مملكته، وكان موسى لم يرهم قط ولم يجتمع بهم، فكيف يكون كبيرهم الذي علمهم السحر؟ ولكن الطاغية إذا أفلس من الحجة لجأ إلى الكذب الفج والبطش الدموي.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 238)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٣٨: يذكر القرطبي القراءات في قوله: {آمَنتُمْ}: قرأ حفص وحمزة والكسائي: {آمَنتُمْ} بهمزة واحدة ممدودة على الخبر المتضمن للإنكار والتقريع، وقرأ الباقون: {أَآمَنتُمْ} بهمزتين محققة ومسهلة على الاستفهام الإنكاري. وبيّن أن فرعون كان أول من سن الصلب والتقطيع من خلاف في التاريخ البشري.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 273)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٧٣: يحلل ابن عاشور سيكولوجية الطغيان في قوله: {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}؛ حيث يرى الطاغية أن حتى إيمان القلوب وحركات الضمائر ينبغي أن تخضع لمرسوم ملكي وتصريح سلطوي، وأن تحرر الإنسان بعبادة الله يعد جريمة تمرد وخيانة عظمى تستوجب الإبادة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
فَلَأُقَطِّعَنَّ: الفاء فصيحة، واللام واقعة في جواب قسم محذوف، وأقطعنّ فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره أنا.
أَيْدِيَكُمْ: مفعول به منصوب، والكاف: مضاف إليه.
وَأَرْجُلَكُم: معطوف على أيديكم منصوب مثله.
مِّنْ خِلَافٍ: جار ومجرور في محل نصب حال من الأيدي والأرجل.
وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ: الواو عاطفة، وجملة قسمية معطوفة على ما قبلها.
فِي جُذُوعِ: جار ومجرور متعلق بـ أصلبنكم.
النَّخْلِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
وَلَتَعْلَمُنَّ: الواو عاطفة، وجملة قسمية أخرى، والفعل مضارع مرفوع بثبوت النون المحذوفة لتوالي الأمثال، وواو الجماعة المحذوفة لالتقاء الساكنين فاعل، ونون التوكيد حرف لا محل له.
أَيُّنَا: اسم استفهام مبتدأ، ونا: مضاف إليه.
أَشَدُّ: خبر مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
عَذَابًا: تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
وَأَبْقَىٰ: معطوف على أشد مرفوع بضمة مقدرة، والجملة الاسمية في محل نصب سدت مسد مفعولي تعلمنّ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد الصدمة الهائلة التي أحدثها سجود السحرة وإيمانهم، انفجر غيظ فرعون محاولاً استعادة زمام المبادرة عبر التهديد بأبشع صنوف التنكيل.
يقصد نفسه في مقابلة رب موسى وهارون الذي آمنوا به؛ فكأنه يتبجح ويتحدى الخالق سبحانه بزعمه أن عذابه هو في الدنيا أشد وأبقى من عذاب الله الذي خوفهم به موسى.
أو يقصد نفسه في مقابلة موسى وهارون؛ زاعماً أن بطشه وسلطانه أعظم من أي عقوبة يتوهمونها، وهذا غاية السفه والجهل؛ فإن عذاب الدنيا منقطع وعذاب جهنم دائم أبدي.
استخدام حرف الجر {فِي} في قوله: {فِي جُذُوعِ النَّخْلِ} بدلاً من (على) لإفادة شدة التمكين والصلب، كأن أجسادهم غاصت وتغلغلت داخل الخشب من شدة الشد والتسمير.
التعبير بـ {قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ}: يصور غطرسة المستبد الذي يظن أنه يملك الأرواح والضمائر والأفكار.
التدبر الإشاري: عجز الطغيان أمام يقين الإيمان يدفعه دائماً إلى اختراع تهم المؤامرة والعمالة؛ فرمي السحرة بأن موسى كبيرهم الذي علمهم السحر هو النموذج الأبدي لكل الأنظمة المستبدة في تبرير بطشها بالمصلحين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
فضح أساليب التضليل التي يمارسها المستبدون بإلصاق التهم الجاهزة بالمؤمنين حين تسقط حجج الباطل.
الاستعداد لضريبة الثبات على الحق؛ فالإيمان الحقيقي يختبر بالابتلاء والتهديد، وتمحيص القلوب سنة ماضية.
الأثر التربوي والإيماني:
الحذر من الركون إلى تهديدات أهل الباطل؛ فعذابهم زائل مهما عظم، وعذاب الله هو الأشد والأبقى، ونعيم رضوانه هو الفوز المبين.