تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 440)جامع البيانالطبري١٨/٤٤٠: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والسدي في قوله: {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ}: أي تنزه وتقدس وعلا الله ملك الملوك الذي لا يزول ملكه، الحق في وعده ووعيده وشرعه وكلامه عن كل شرك ونقص، {وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ}: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه جبريل بالقرآن يعجل بقراءته معه حرفاً بحرف خشية أن ينسى منه شيئاً لحرصه العظيم على حفظه، فنهاه الله عن هذه العجلة وأمره أن يستمع حتى يفرغ جبريل من تلاوته، وتكفل الله له بجمعه في صدره وإقرائه إياه، {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}: وأمره أن يسأل ربه الزيادة من العلم والفهم والحكمة دائماً.
الحديث النبوي والآيات النظيرة: هذا الموضع نظير قوله تعالى في سورة القيامة: {لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ * فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ * ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ}.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 346)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٦: يوضح ابن كثير كمال رعاية الله لنبيه؛ حيث جمع له بين تطمينه على حفظ القرآن وتوجيهه إلى التؤدة والأدب عند تلقي الوحي، وحثه على الاستزادة من العلم الرباني النافع؛ فما أمر الله نبيه بطلب الزيادة من شيء إلا من العلم: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 331)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٣١: يبين القرطبي أن الآية أصل عظيم في أدب طلب العلم؛ فلا ينبغي للمتعلم أن يقطع على المعلم كلامه ولا يتعجل بالسؤال قبل استتمام الشرح، بل ينصت ويتأمل ثم يسأل مستزيداً من العلم.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 346)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٤٦: يشير ابن عاشور إلى عظمة اسمي الله {الْمَلِكُ الْحَقُّ}؛ فالملك يستلزم كمال التصرف والتشريع والأمر والنهي، والحق يستلزم ثبات كلامه ووعده وعدله التام.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
تَعَالَى: تفاعل من العلو، ومعناه تنزه وارتفع في كبريائه ومجده عن صفات النقص والمخلوقين.
الْمَلِكُ: ذو الملك والسلطان النافذ والتصرف المطلق.
الْحَقُّ: الثابت الذي لا يزول ولا يدخله بطلان ولا شك.
لَا تَعْجَلْ: العجلة: المسارعة بالشيء قبل أوانه وإتمامه.
يُقْضَىٰ: القضاء: الإتمام والفراغ والإنهاء للشيء.
الإعراب والتركيب:
فَتَعَالَى: الفاء استئنافية، وتعالى فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر.
اللَّهُ: لفظ الجلالة فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
الْمَلِكُ: نعت أول للفظ الجلالة مرفوع (أو بدل).
الْحَقُّ: نعت ثانٍ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
وَلَا: الواو عاطفة أو استئنافية، ولا: ناهية جازمة.
تَعْجَلْ: فعل مضارع مجزوم بـ لا وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
بِالْقُرْآنِ: جار ومجرور متعلق بـ تعجل.
مِن قَبْلِ: جار ومجرور متعلق بـ تعجل.
أَن: حرف مصدري ونصب.
يُقْضَىٰ: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بـ أن بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
إِلَيْكَ: جار ومجرور متعلق بـ يقضى.
وَحْيُهُ: نائب فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والهاء: مضاف إليه، والمصدر المؤول في محل جر مضاف إليه لـ قبل.
وَقُل: الواو عاطفة، وفعل أمر وفاعله مستتر.
رَّبِّ: منادى مضاف بحرف نداء محذوف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة للتخفيف.
زِدْنِي: فعل دعاء مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت، والنون للوقاية، والياء مفعول به أول.
عِلْمًا: مفعول به ثانٍ منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد ذكر إنزال القرآن عربياً وتصريف الوعيد فيه، جاء تنزيه الرب العظيم {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ}، وتأديب النبي صلى الله عليه وسلم في طريقة تلقي هذا الوحي الجليل بترك العجلة وملازمة الإنصات وطلب الزيادة من العلم.
التناسب البلاغي: الربط البديع بين جلال المتكلم (الملك الحق) وبين هيبة الكلام المتلقى (القرآن)، فاستوجب ذلك التؤدة والسكينة وطلب التوفيق منه سبحانه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعجل بقراءة القرآن مع جبريل؟ وهل كان ذلك نقصاً؟
دفع الشبهة وبيان كمال الشفقة المحمدية:
لم تكن عجلته صلى الله عليه وسلم عن طيش أو تسرع، بل كانت بدافع الشفقة العظمى والحرص البالغ على حفظ كل حرف من الوحي الإلهي مخافة أن يفوته شيء منه فيعجز عن تبليغه لأمته.
فنهاه الله عن ذلك برحمة ولطف، وطمأنه بأن الله تكفل بحفظه في صدره وتثبيته على لسانه، ونقله من القلق والاضطراب إلى السكينة والاستزادة من العلم.
تصدير الآية بـ {فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ} بعد تفاصيل الجزاء والوعيد؛ لإعلان عظمة السلطان الإلهي وكمال صدقه وعدله.
الأمر بالدعاء: {وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}؛ حذف المتعلق بالعلم ليعم كل علم نافع يقرب إلى الله؛ علم الشريعة، والتوحيد، وأسرار الوحي.
التدبر الإشاري: لم يأمر الله نبيه بالاستزادة من مال ولا جاه ولا سلطان ولا عمر، وإنما أمره بطلب الزيادة من العلم؛ دلالة قاطعة على أن العلم هو أشرف المطالب وأعظم المواهب الربانية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
التزام أدب الاستماع والإنصات للعلم حتى يتم الملقي كلامه، وعدم مقاطعة المتحدث.
جعل طلب العلم عبادة مستمرة لا تنتهي حتى الممات؛ فالنبي صلى الله عليه وسلم مأمور بطلب الزيادة منه وهو أعلم الخلق بالله.
الأثر التربوي والإيماني:
لهج اللسان بهذا الدعاء النبوي القرآني العظيم في كل آن: {رَّبِّ زِدْنِي عِلْمًا}، وتواضع العبد كلما ازداد علماً؛ ففوق كل ذي علم عليم.