تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 443)جامع البيانالطبري١٨/٤٤٣: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله تعالى: {وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَىٰ آدَمَ مِن قَبْلُ}: أي وصينا آدم وأمرناه ونهيناه من قبل هذا الزمان؛ حين أسكناه الجنة وعهدنا إليه ألا يأكل من تلك الشجرة المعينة، وحذرناه من كيد إبليس، {فَنَسِيَ}: قال ابن عباس: نسي عهد الله ووصيته فأكل منها، ومنه سُمي الإنسان إنساناً لأنه عُهد إليه فنسي، {وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا}: أي لم نجد له صبراً وثباتاً وقوة عزيمة على حفظ الوصية ومقاومة وسوسة الشيطان.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 347)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٧: يوضح ابن كثير المناسبة بين هذه الآية والتي قبلها؛ فبعد أن نهى الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم عن العجلة بالقرآن، ضرب له مثلاً بأبيه آدم عليه السلام الذي تعجل فأكل من الشجرة لضعف عزمه ونسيانه للعهد، ليكون ذلك تنبيهاً للنبي ولأمته على لزوم الحذر والثبات ومجاهدة النسيان والوسواس.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 333)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٣٣: يذكر القرطبي أن النسيان هنا يحتمل وجهين: إما النسيان الحقيقي الذي هو ذهول القلب عن المعلوم، وكان ذلك قبل أن يرفع القلم عن الناسي في أمتنا، أو النسيان بمعنى الترك والإهمال للامتثال؛ أي ترك العهد وأكل من الشجرة، والعزم: الصبر والحزم والتصميم على الطاعة.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 348)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٤٨: يحلل ابن عاشور الطبيعة البشرية؛ فبين أن الآية تمهيد لقصة خلق آدم وهبوطه إلى الأرض، لبيان أن الضعف البشري والنسيان غريزة أصلية في بني آدم تحتاج دائماً إلى تذكير الوحي وتثبيته.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
نَسِيَ: النسيان: ضد الذكر، أو الترك للشيء عمداً أو غفلة.
عَزْمًا: العزم: توطين النفس والصبر والتصميم الصادق على الفعل ومضاء الرأي.
الإعراب والتركيب:
وَلَقَدْ: الواو استئنافية، واللام للقسم، وقد: حرف تحقيق.
عَهِدْنَا: فعل ماضٍ مبني على السكون، ونا: فاعل للتعظيم.
إِلَىٰ آدَمَ: جار ومجرور متعلق بـ عهدنا، وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
مِن قَبْلُ: جار ومجرور مبني على الضم لانقطاعه عن الإضافة متعلق بـ عهدنا.
فَنَسِيَ: الفاء عاطفة، ونسي فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر تقديره هو.
وَلَمْ: الواو عاطفة، ولم: حرف نفي وجزم وقلب.
نَجِدْ: فعل مضارع مجزوم بـ لم وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر تقديره نحن.
لَهُ: جار ومجرور متعلق بـ نجد (أو حال).
عَزْمًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: الانتقال من الوصية للنبي الخاتم إلى أول عهد قطعه الله مع أبي البشر آدم عليه السلام؛ لتأكيد أن النسيان وضعف العزم من طبيعة البشر، وأن الاستمساك بوحي الله هو السبيل الأوحد للعصمة والنجاة.
التناسب البلاغي: تصدير الآية بالقسم والتحقيق {وَلَقَدْ} لتقرير هذا الأصل الكوني وتثبيت العبرة في القلوب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُنسب النسيان وفقدان العزم إلى نبي من أنبياء الله وهو آدم عليه السلام؟ وهل يقدح ذلك في عصمته؟
دفع الشبهة وفق أصول أهل السنة والجماعة:
الأنبياء معصومون من الكبائر ومن الشرك ومن الإخلال بالبلاغ والرسالة إجماعاً؛ وما وقع من آدم كان قبل البعثة أو كان خطأً وتأويلاً ونسياناً لا عن قصد رد الأمر الإلهي ومعاندته.
النسيان عارض بشري جبلي لا يقدح في نبوة ولا عدالة؛ وقد قال نبينا صلى الله عليه وسلم: "نَسِيَ آدَمُ فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ، وَخَطِئَ آدَمُ فَخَطِئَتْ ذُرِّيَّتُهُ".
تدارك الله لآدم بالتوبة والاجتباء والهداية كما في الآية (122) {ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَىٰ} دليل على كمال رتبته ورفعة مقامه عند ربه.