وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ
وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ
يبين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة تذكير كليمه موسى بسوابق فضله وإنعامه عليه في سالف أمره، قبل مناجاة الوادي المقدس؛ قال الطبري في جامع البيان (18/324)مصدر غير محدد١٨/٣٢٤: «يقول تعالى ذكره لموسى: ولقد أنعمنا عليك وتفضلنا عليك بنعمة أخرى قبل هذه النعمة التي أنعمنا بها عليك اليوم من إعطائك ما سألت؛ وذلك حين أنجيناك من ذبح فرعون وأنت طفل وليد، ورعيناك في اليم وقصر فرعون». وقال ابن كثير في تفسيره (5/274)مصدر غير محدد٥/٢٧٤: «هذا تذكير من الله تعالى لرسوله موسى عليه السلام بما كان سلف من إحسانه إليه ولطفه به؛ تذكيراً له بنعمه السالفة، ليستدل بها على نعمه الحاضرة والمستقبلة، فإنه قد أنجاه من القتل صغيراً، وأحسن تربيته، وحماه من كيد الأعداء، فمن حفظك وأنت في المهد عاجز ضعيف، لن يضيعك وأنت نبي كليم مؤيد بالآيات والبراهين». وقال السعدي في تفسيره (ص 503)مصدر غير محدد٥٠٣: «ذكّره بنعمه القديمة، ومِننه السابقة؛ ليستحضر قلبه الثقة التامة بربه، وليعلم أن الذي تفضل عليه بنعمة النجاة والتربية في مقتبل عمره لن يتخلى عنه وهو قائم بأمر رسالته ومواجهة أعدائه».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التذكير العاطفي المفعم بالرحمة بعد قوله تعالى: {قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ}؛ ليربط بين حاضر موسى وماضيه. والنظم هنا يقيم برهاناً نفسياً واستدلالياً قاطعاً على كمال الرعاية الإلهية؛ فكأن الله تعالى يقول له: إن كنا قد استجبنا لك اليوم في الوادي المقدس فأعطيناك سؤلك من النبوة وشرح الصدر وتيسير الأمر، فاعلم أن رعايتنا لك لم تكن وليدة اليوم، بل هي ممتدة منذ كنت رضيعاً في مهاد الطفولة لم تكن تسأل ولا تعرف ما السؤال!