قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة أول دعاء تضرع به كليم الله موسى عليه السلام حين كُلف بالمهمة الكبرى لمواجهة فرعون؛ قال الطبري في جامع البيان (18/314)مصدر غير محدد١٨/٣١٤: «يقول تعالى ذكره: قال موسى حين أمره ربه بالذهاب إلى فرعون: يا رب وسّع لي صدري، واجعله فسيحاً حليماً، يتحمل ما يناله من أذى فرعون وقومه، ويتسع لحمل أعباء رسالتك وتبليغ وحيك، ولا يضيق بكفرهم وتكذيبهم». وقال ابن كثير في تفسيره (5/272)مصدر غير محدد٥/٢٧٢: «هذا سؤال من موسى عليه السلام لربه عز وجل أن يشرح له صدره فيما بعثه به؛ فإنه قد أمره بأمر عظيم، وخطب جسيم، بعثه إلى أعظم ملوك الأرض في ذلك الزمان، وأشدهم عتواً، وأكثرهم جنوداً، وأعظمهم سلطاناً، فاستعان بربه وسأله انشراح الصدر الذي هو مفتاح كل خير». وقال السعدي في تفسيره (ص 503)مصدر غير محدد٥٠٣: «سأل الله شرح صدره؛ لأن الصدر إذا انشرح وتأهل للرحمة والحلم، هان عليه كل شاق، وانقادت له الجوارح للعمل بالحق والصبر على المكاره، والصدر الضيق لا يحتمل أذى الخلق ولا ينقاد لتحمل الأعباء الثقيلة».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا التضرع فور تلقي الأمر الحازم: {اذْهَبْ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ}؛ فلم يتردد موسى في قبول التكليف، ولم يعتذر عن الذهاب، ولكنه أدرك بحكمته وفطنته متطلبات هذه المواجهة الهائلة؛ فعلم أن أسلحة الميدان تبدأ من داخل الإنسان ونفسه وروحه قبل أن تبدأ من عتاده الظاهر. فبدأ بسؤال انشراح الصدر؛ لأن الصدر هو الوعاء الذي يستقبل الصدمات ويتحمل الأذى؛ فإذا اتسع الصدر استطاع الداعية أن يبتسم في وجه الغضب، وأن يجادل بالتي هي أحسن أمام أعتى الجبابرة.