تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 405)جامع البيانالطبري١٨/٤٠٥: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد في عقوبة السامري التي حكم بها موسى عليه السلام بأمر ربه: {قَالَ فَاذْهَبْ}: طرداً له ونفياً من المجتمع الإيماني، {فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ}: أي عقوبتك في الدنيا أن تعيش منبوذاً معزولاً طريداً، لا تمس أحداً ولا يمسك أحد، فإن مسك أحد أو مسسته حُممتما جميعاً ووقعت فيك العلة والوسواس، فكان يهيم في البراري والوحوش يصرخ إذا دنا منه إنسان: لا مساس! {وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ}: موعداً لعذابك الأكبر في نار جهنم لن يغيب عنك ولن يفوته الله، {وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا}: انظر إلى هذا الصنم الذهب الذي دمت على عبادته، {لَّنُحَرِّقَنَّهُ}: لنبردنه بالمببرد صهراً وحرقاً بالنار حتى يصير برادة دقيقة، {ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا}: ثم لنذرينه ونطيرنه في ماء البحر تذريتاً حتى لا يبقى منه أثر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 334)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٤: يوضح ابن كثير كمال الجزاء من جنس العمل؛ فالسامري قبض قبضة من أثر الرسول ومس ما لم يكن له مسه ليفسد به دين الأمة، فعوقب بالحرمان التام من مس بني جنسه في الدنيا، وصار معزولاً كالوحش الأجرب، ثم أتى موسى على صنمهم المعبود فأحرقه وسحقه ونسفه في اليم أمام أعينهم ليبرهن على عجز هذا الإله المصنوع.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 296)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٩٦: يذكر القرطبي القراءات في {لَّن تُخْلَفَهُ}: قرأ الجمهور بفتح اللام: {لَّن تُخْلَفَهُ} مبنياً للمجهول، أي لن يخلفك الله إياه أو لن تذهب عنه بل ستلقاه حتماً، وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: {لَّن تُخْلِفَهُ} بكسر اللام مبنياً للفاعل، أي لن تغيب عنه ولا تعدوه. وفي {ظَلْتَ}: قرأ الجمهور بفتح الظاء خفيفاً أصله ظللت، وقرأ بعضهم بكسر الظاء. وفي {لَّنُحَرِّقَنَّهُ}: قرأ الجمهور بضم النون وكسر الراء وتشديدها من حرّق يحرّق، وقرأ أبو جعفر وحميد: {لَنَحْرُقَنَّهُ} بفتح النون وضم الراء خفيفاً من حرق يحرق إذا برده بالمبرد، وقرأ ابن عباس والجحدري: {لَنُحْرِقَنَّهُ} بضم النون وسكون الحاء من أحرق بالنار.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 320)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٢٠: يبين ابن عاشور أن نسف العجل في البحر ومحوه كلياً كان ضرورة عقدية ونفسية لاجتثاث الوثنية من قلوب بني إسرائيل؛ فبقاء أثر الصنم يغري ضعاف النفوس بتقديسه مستقبلاً، فكان لا بد من الإبادة التامة للمعبود الباطل وإلقائه في قاع اليم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
فَاذْهَبْ: أمر بالطرد والإبعاد والإقصاء التام.
لَا مِسَاسَ: مِسَاس (بكسر الميم وفتح السين وبنائه على الكسر كحذامِ، أو فتحه): اسم مصدر بمعنى الماسة، أي لا تمسني ولا أمسك.
ظَلْتَ: أصله ظَلِلْتَ، حذفت إحدى اللامين تخفيفاً، وهو من أخوات كان يفيد الاستمرار نهاراً.
لَّنُحَرِّقَنَّهُ: التحريق: المبالغة في الإحراق بالنار، أو البرد بالمبارد المعدنية حتى يصير سحيقاً كالغبار.
فَاذْهَبْ: الفاء فصيحة، واذهب فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
فَإِنَّ: الفاء تعليلية، وإنّ حرف توكيد ونصب.
لَكَ: جار ومجرور خبر مقدم لـ إنّ.
فِي الْحَيَاةِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال.
أَن تَقُولَ: المصدر المؤول في محل نصب اسم إنّ مؤخر.
لَا: نافية للجنس.
مِسَاسَ: اسم لا مبني على الفتح (أو مبني على الكسر لكونه معدولاً)، وخبرها محذوف تقديره بيننا.
وَإِنَّ: الواو عاطفة، وإنّ حرف توكيد ونصب، ولك خبرها المقدم.
مَوْعِدًا: اسم إنّ مؤخر منصوب بالفتحة.
لَّن: حرف نفي ونصب واستقبال.
تُخْلَفَهُ: فعل مضارع مبني للمجهول منصوب بـ لن وعلامة نصبه الفتحة، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره أنت، والهاء مفعول به ثانٍ، والجملة في محل نصب نعت لـ موعداً.
وَانظُرْ: الواو عاطفة، وفعل أمر.
إِلَىٰ إِلَٰهِكَ: جار ومجرور متعلق بـ انظر، والكاف مضاف إليه.
الَّذِي: اسم موصول مبني في محل جر نعت لـ إلهك.
ظَلْتَ: فعل ماضٍ ناقص واسمه التاء.
عَلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ عاكفاً.
عَاكِفًا: خبر ظلت منصوب، والجملة صلة الموصول.
لَّنُحَرِّقَنَّهُ: اللام واقعة في جواب قسم مقدر، وفعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والفاعل مستتر تقديره نحن (أو أنا للتعظيم)، والهاء مفعول به.
ثُمَّ: حرف عطف للتراخي الرتبي والزمني.
لَنَنسِفَنَّهُ: فعل مضارع مبني على الفتح لاتصاله بنون التوكيد، والهاء مفعول به.
فِي الْيَمِّ: جار ومجرور متعلق بـ ننسفنه.
نَسْفًا: مفعول مطلق منصوب لتوكيد الفعل.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: صدور الحكم القضائي الإلهي النافذ بحق السامري المفسد وصنمه المعبود؛ تصفية للفتنة من جذورها، وعزلاً للمجرم عن الأمة، وإفناءً للأوثان.
التناسب البلاغي: الربط بين العذاب النفسي الاجتماعي في الدنيا {لَا مِسَاسَ}، والعذاب الأخروي الحتمي {مَوْعِدًا لَّن تُخْلَفَهُ}، وتدمير الوثن بالإحراق والنسف والمحو في اليم بأسلوب التوكيد القسمي المتتابع.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُحرَق الذهب وهو لا يحترق بالنار بل يذوب ويصهر؟
دفع الشبهة والإعجاز اللغوي:
التحريق في لغة العرب يطلق على البرد بالمبرد والمسحوق؛ يقال: حَرَقَ الحديد والمعدن يَحْرُقُهُ حَرْقاً إذا برده وسحقه، فموسى عليه السلام برد العجل الذهبي بالمبارد حتى صيره برادة دقيقة ناعمة كالغبار.
وقيل: كان العجل من خشب مصفح بالذهب، فأُحرق الخشب وصُهر الذهب وبُرد كلاهما حتى تفتت تماماً.
ثم ذريت تلك البرادة الدقيقة في ماء البحر حتى تفرقت وتلاشت، وهذا برهان حسي قاطع على عجز ذلك الإله المزعوم الذي لم يستطع الدفاع عن نفسه أمام النار والمبرد وأمواج البحر.
التهكم والتحقير في قوله: {وَانظُرْ إِلَىٰ إِلَٰهِكَ}؛ حيث سماه إلهه سخرية منه ومن عكوفه عليه لبيان عجزه وهوانه.
التوكيد المزدوج بنون التوكيد والمفعول المطلق في {لَّنُحَرِّقَنَّهُ... لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا} لإفادة العزم الصارم على قلع آثار الشرك.
التدبر الإشاري: العقوبة النفسية بالعزل والنبذ الاجتماعي أشد على المفسد من ضرب الرقاب؛ فالسامري عاش منبوذاً مذعوراً لا يستطيع الاقتراب من بشر، جزاء ما جنته يداه من خيانة أمانة الدين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):