إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ
إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة الموقف التاريخي الحاسم الذي بدأت فيه تلك المنة السابقة على موسى في صغره؛ قال الطبري في جامع البيان (18/325)مصدر غير محدد١٨/٣٢٥: «يقول تعالى ذكره: ولقد مننا عليك مرة أخرى، حين ألهمنا أمك ما ألهمناها وقذفنا في قلبها من أمرك، حين خافت عليك أن يقتلك فرعون وجنوده، فدبرنا نجاتك بألطف تدبير». وقال ابن كثير في تفسيره (5/274)مصدر غير محدد٥/٢٧٤: «{إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ مَا يُوحَىٰ} أي: ألهمناها إلهاماً جازماً وقذفنا في روعها الحق الذي لا تردد فيه، وهو وحي إلهام ورؤيا صادقة، كقوله تعالى: {وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَى النَّحْلِ}، وليس وحي نبوة وتشريع». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/199)مصدر غير محدد١١/١٩٩: «أجمع أهل العلم المحققون على أن أم موسى لم تكن نبية مرسلة، وإنما كان وحيها إلهاماً من الله وقذفاً في القلب، أو رؤيا منامية أراها الله إياها، أو عن طريق ملك كلمها دون أن تكون نبية كالملك الذي أرسل إلى مريم عليها السلام». وقال السعدي في تفسيره (ص 503)مصدر غير محدد٥٠٣: «ذكر هذا الوقت بالذات لأن الخطر كان فيه محيطاً بموسى إحاطة تامة؛ حيث كان فرعون يذبح الأبناء ويستحيي النساء، فكان وحي الإلهام إلى أمه هو طوق النجاة الوحيد الذي حفظه الله به».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التمهيد المعجز يربط المنة بزمانها ومكانها وشخصها: {إِذْ أَوْحَيْنَا إِلَىٰ أُمِّكَ}. والنظم هنا يعتمد أسلوب الإبهام والتفخيم في قوله: {مَا يُوحَىٰ}؛ ليدل على أن هذا الأمر الموحى به كان أمراً خارقاً للعادة، ومخالفاً للمنطق البشري المألوف؛ فكيف توحي إلى أم مشفقة خائفة على وليدها الرضيع أن تلقيه في صندوق، ثم تلقي الصندوق في لجة النهر المتلاطم؟ فكان إبهام الموحى به تمهيداً نفسياً لعظمة الموقف وإعجاز التدبير.