تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 412)جامع البيانالطبري١٨/٤١٢: يروي الطبري بإسناده عن قتادة وابن عباس في قوله تعالى: {مَنْ أَعْرَضَ عَنْهُ}: أي من تولى عن هذا القرآن العظيم والذكر المنزل، فكذب به ولم يصدق بأخباره ولم يعمل بأحكامه، {فَإِنَّهُ يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا}: أي إثماً عظيماً وثقلاً باهظاً من الذنوب ينوء بحمله ويورده نار جهنم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 336)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٦: يوضح ابن كثير أن الضمير في {عَنْهُ} يعود على الذكر المذكور في الآية السابقة: {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا}، وأن الإعراض عن كتاب الله هو أعظم أسباب الخسران؛ فمن أعرض عن هدى الله لم يبقَ له إلا الضلال وتحمل الأوزار الثقيلة في عرصات القيامة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 303)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٠٣: يبين القرطبي أن الوزر في أصل اللغة هو الحمل الثقيل، وسمي الذنب وزراً لأنه يثقل كاهل صاحبه كالحمل الباهظ الذي يكسر الظهر، والآية وعيد شديد لكل من نبذ كتاب الله وراء ظهره وقدم عليه غيره من القوانين والآراء.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 325)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٢٥: يشير ابن عاشور إلى أن تنكير {وِزْرًا} للتهويل والتعظيم؛ أي وزراً فادحاً لا يحيط بعظمه الوصف، تحمله النفس على كاهلها كالعقاب المجسد في أرض المحشر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَعْرَضَ: الإعراض: الصدود والتولي بالصفح عن الشيء وإهماله، مأخوذ من عرض الوجه إذا ولى عنه بجانبه.
يَحْمِلُ: الحمل: رفع الشيء الثقيل ونقله.
وِزْرًا: الوزر: الحِمل الثقيل الشاق، وأطلق على الإثم والذنب استعارة.
الإعراب والتركيب:
مَنْ: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
أَعْرَضَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو.
عَنْهُ: جار ومجرور متعلق بـ أعرض.
فَإِنَّهُ: الفاء رابطة لجواب الشرط، وإنّ حرف توكيد ونصب، والهاء اسمها (أو ضمير الشأن).
يَحْمِلُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل رفع خبر إنّ.
يَوْمَ: ظرف زمان منصوب وعلامة نصبه الفتحة متعلق بـ يحمل.
الْقِيَامَةِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
وِزْرًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وجملة جواب الشرط في محل جزم، وخبر المبتدأ جملتا الشرط والجواب معاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد بيان عظمة القرآن والامتنان بإنزاله على النبي صلى الله عليه وسلم {وَقَدْ آتَيْنَاكَ مِن لَّدُنَّا ذِكْرًا}، جاء هذا التحذير القاطع من عاقبة الإعراض عنه والتهاون بأمره ونهيه.
التناسب البلاغي: الربط الشرطي بين الإعراض في دار التكليف وبين حمل الوزر المرهق في دار الجزاء؛ جزاءً وفاقاً ومطابقة تامة بين الجريمة وعقوبتها.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل الإعراض خاص بالكفار المكذبين بالقرآن أم يشمل عصاة المسلمين الذين يهجرونه؟
دفع الشبهة والتفصيل العلمي:
أصل الآية متوجه إلى الكفار والمشركين الذين أعرضوا عن الإيمان بالقرآن رأساً وكذبوا به؛ فهم الذين يخلدون في هذا الوزر كما في الآية اللاحقة {خَالِدِينَ فِيهِ}.
ومع ذلك، فإن لكل من أعرض عن تلاوة القرآن أو تدبره أو العمل بأحكامه من المسلمين نصيباً من هذا الوعيد والذم بقدر إعراضه وهجرانه، كما شكى الرسول إلى ربه: {وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَٰذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا}.
الاستعارة التمثيلية التجسيدية في قوله: {يَحْمِلُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وِزْرًا}؛ حيث شبه الإثم المعنوي بحمل ثقيل يوضع على الظهر والرقبة فينوء به الجاني أمام الخلائق في عرصات المحشر.
تنكير {وِزْرًا} للتهويل والتعظيم لبيان ثقل هذا الذنب وقبحه.
التدبر الإشاري: القرآن كتاب هداية وحياة؛ فمن استمسك به خف ظهره وانشرح صدره، ومن أعرض عنه أثقلت ذنوبه كاهله فما زال يرزح تحتها حتى تهوي به في الجحيم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
التحذير المستمر من هجران القرآن الكريم؛ هجران تلاوة، أو هجران تدبر، أو هجران عمل وتحكيم.
إبراز شرف القرآن ومكانته وأنه حجة للإنسان أو عليه يوم القيامة.
الأثر التربوي والإيماني:
تعظيم كتاب الله في النفوس والحرص على قراءته وتدبر معانيه وتحكيم أحكامه في كل شؤون الحياة لنيل شفاعته يوم القيامة.