تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 371)جامع البيانالطبري١٨/٣٧١: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن الله تعالى أباح لبني إسرائيل أكل ما رزقهم من المن والسلوى وغيرهما من الطيبات، ونهاهم عن الطغيان فيه؛ والطغيان فيه يكون: بكفران النعمة، أو بالادخار منه لغد مع نهيهم عن ذلك شكاً في رزق الله، أو بتجاوز حدود الحلال إلى الحرام. {فَيَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبِي}: فيجب وينزل عليكم سخطي وعقابي، {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ}: أي فقد سقط وهلك وتردى في قعر جهنم، كمن سقط من أعلى الجبل إلى الهاوية فتقطع وخاب.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 321)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢١: يبين ابن كثير أن الأمر بالأكل من الطيبات مقترن بالنهي عن مجاوزة الحد فيها أو استعمال نعم الله في معاصيه، فإن معصية المنعم بعد توالي النعم سبب مباشر لحلول الغضب الإلهي الذي لا يقوم له شيء.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 260)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٦٠: يذكر القرطبي القراءات في {فَيَحِلَّ}: قرأ الجمهور: {فَيَحِلَّ} بكسر الحاء مضارع حَلَّ يَحِلُّ إذا وجب ونزل، وقرأ الأعمش ويحيى بن وثاب والكسائي في رواية: {فَيَحُلَّ} بضم الحاء مضارع حَلَّ يَحُلُّ إذا نزل بالمكان واستقر فيه. والكسر لغة أهل الحجاز، والضم لغة قيس وتميم. وفي {فَقَدْ هَوَىٰ} بين أنه من الهوي وهو السقوط من علو إلى سفل، كناية عن الهلاك المطلق.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 288)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٨٨: يشير ابن عاشور إلى بلاغة التمثيل في {فَقَدْ هَوَىٰ}؛ حيث شبه استحقاق الغضب الإلهي بالسقوط من شاهق إلى هاوية لا قرار لها، وهو أشنع مصير يتعرض له الكائن الحي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
طَيِّبَاتِ: جمع طيبة، وهو المستلذ الحلال المبرأ من الخبث والأذى.
لَا تَطْغَوْا: الطغيان: مجاوزة الحد في كل شيء، وأصله الزيادة والبغي.
فَيَحِلَّ: الحلول: الوجوب والنزول، يقال: حل الدين إذا وجب أداؤه، وحل العذاب إذا نزل ووجب.
هَوَىٰ: الهُوِيّ: السقوط من علٍ إلى سفل، ونقيضه الصعود، ويدل على الهلاك والتردي والخسران.
الإعراب والتركيب:
كُلُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل.
مِن طَيِّبَاتِ: جار ومجرور متعلق بـ كلوا.
مَا: اسم موصول مبني في محل جر مضاف إليه.
رَزَقْنَاكُمْ: فعل ماضٍ وفاعله، والكاف: مفعول به، والجملة صلة الموصول.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: ناهية جازمة.
تَطْغَوْا: فعل مضارع مجزوم بحذف النون، والواو: فاعل.
فِيهِ: جار ومجرور متعلق بـ تطغوا.
فَيَحِلَّ: الفاء سببية واقعة في جواب النهي، ويحلّ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية وعلامة نصبه الفتحة.
عَلَيْكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يحل.
غَضَبِي: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم، والياء مضاف إليه.
وَمَن: الواو استئنافية، ومن اسم شرط جازم مبتدأ.
يَحْلِلْ: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بالسكون وحرك بالكسر لالتقاء الساكنين، أو فُك إدغامه للضرورة.
عَلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ يحلل.
غَضَبِي: فاعل مرفوع بضمة مقدرة.
فَقَدْ: الفاء رابطة لجواب الشرط، وقد: حرف تحقيق.
هَوَىٰ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ جملتا الشرط والجواب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد تفصيل النعم، وضع الله سبحانه الضابط التشريعي والتربوي لاستعمالها: الأكل المقرون بعدم الطغيان والتحذير الصارم من نزول الغضب.
التناسب البلاغي: ربط النهي عن الطغيان بحلول الغضب عبر فاء السببية، ثم إلحاقه بالقاعدة العامة المستمرة: {وَمَن يَحْلِلْ عَلَيْهِ غَضَبِي فَقَدْ هَوَىٰ}، وهي صياغة تهز القلوب رعباً من سخط الله.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: ما هو مذهب أهل السنة والجماعة في صفة (الغضب) المضافة إلى الله تعالى في قوله: {غَضَبِي}؟
دفع الشبهة وتقرير معتقد السلف الصالح:
مذهب أهل السنة والجماعة إثبات صفة الغضب لله تعالى على الوجه اللائق بجلاله وعظمته، بلا تمثيل ولا تكييف ولا تعطيل ولا تحريف، كما قال تعالى: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}.
غضب الله ليس كغضب المخلوقين؛ فغضب المخلوق غليان دم القلب لطلب الانتقام وما يعتريه من نقص واضطراب، أما غضب الخالق فصفة كمال تليق بكبريائه وسلطانه، يترتب عليها عقاب من استحق العقاب وعدله في أعدائه.
تفسير الغضب بإرادة العقاب فقط أو بالعقاب نفسه مسلك الخلف المتأولين، والصواب الجمع بين إثبات الصفة الذاتية الفعلية وبين إثبات أثرها وهو العقاب والانتقام.