تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 426)جامع البيانالطبري١٨/٤٢٦: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن في تفسير الآية: {لَّا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا}: أي لا ترى في تلك الأرض المستوية ميلاً ولا انخفاضاً، ولا ارتفاعاً ولا أكمة ولا رابية، بل هي أرض بيضاء ملساء كالفضة النقية أو كقرصة النقي المستوية. قال ابن عباس: العوج: الوادي المنخفض، والأمت: الرابية المرتفعة الصخرية، وقال مجاهد: العوج: الانخفاض، والأمت: النتوء والارتفاع.
الحديث النبوي الصحيح في صفة أرض المحشر: أخرج الشيخان (البخاري برقم 6521، ومسلم برقم 2790) من حديث سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يُحْشَرُ النَّاسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَرْضٍ بَيْضَاءَ عَفْرَاءَ كَقُرْصَةِ نَقِيٍّ، لَيْسَ فِيهَا مَعْلَمٌ لِأَحَدٍ".
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 340)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٠: يوضح ابن كثير أن نفي العوج والأمت هو نفي تام لأي تفاوت في التضاريس؛ فلا وادٍ يغيب فيه شخص، ولا تل يرتفع عليه أحد، بل يرى أولهم آخرهم، ويسمعهم الداعي، وينفذهم البصر دفعة واحدة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 317)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣١٧: يذكر القرطبي القراءات في {لَّا تَرَىٰ}: قرأ الجمهور بالتاء الفوقية خطاباً لكل راءٍ: {لَّا تَرَىٰ فِيهَا}، وقرأ يحيى بن وثاب والأعمش وحمزة والكسائي وعاصم في رواية بالياء التحتية مبنياً للمفعول: {لَّا يُرَىٰ فِيهَا عِوَجٌ} برفع عوج على أنه نائب فاعل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
عِوَجًا: العِوَج (بكسر العين): يستعمل في المعاني كالدين والخلق، وفي الأعيان التي لا ترى شخصاً مرتفعاً كالأرض والخط، والعَوَج (بالفتح) في الأعيان القائمة كالعصا والجدار، والمراد به هنا: الانخفاض والوهدة والميل.
أَمْتًا: الأَمْت: الارتفاع اليسير والنتوء الصغير، يقال: ملأ القربة حتى لم يبقَ فيها أمت أي موضع مرتفع ومنخفض، وقيل: هو التل الرابي.
الإعراب والتركيب:
لَّا: نافية لا عمل لها.
تَرَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل ضمير مستتر تقديره أنت (لكل من يتأتى منه الرؤية).
فِيهَا: جار ومجرور متعلق بـ ترى، والجملة نعت ثانٍ لـ قاعاً (أو حال من الأرض).
عِوَجًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: لتأكيد النفي.
أَمْتًا: معطوف على عوجاً منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: استكمال بياني غاية في الإحكام لوصف استواء أرض المحشر؛ بنفي أدنى تشوه أو تفاوت تضاريسي فيها؛ تأكيداً لقوله {قَاعًا صَفْصَفًا}.
التناسب البلاغي: الجمع المتقابل بين نفي الانخفاض {عِوَجًا} ونفي الارتفاع {أَمْتًا}؛ لاستغراق الاستواء التام الذي لا يختل بمقدار شبر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
شبهة: لماذا استعمل (العِوَج) بالكسر هنا مع أن الكلام عن أرض مجسمة مادية والمشهور في اللغة استعمال العَوَج بالفتح في الأجسام؟
دفع الشبهة ودقة المعاجم العربية:
بين أئمة اللغة كابن الأنباري والفراء والزجاج أن العَوَج بالفتح يختص بالأشياء القائمة المنتصبة التي تدرك بالبصر قياماً كالحائط والعصا والرمح.
أما الأشياء المنبسطة كالأرض والطريق والماء، فإن التواؤها وانخفاضها يدرك بالمقاييس والتقدير العقلي، فيقال فيها عِوَج بالكسر، وهذا من دقائق الإعجاز المعجمي في القرآن الكريم.
الطباق الخفي البديع بين {عِوَجًا} (الانخفاض والوهدة) وبين {أَمْتًا} (الارتفاع والنتوء).
توجيه الخطاب إلى غير معين في {لَّا تَرَىٰ} ليدل على أن الاستواء أمر ظاهر جلي يدركه أي ناظر كائناً من كان.
التدبر الإشاري: كما استوت أرض المحشر فلم يبقَ فيها عوج ولا أمت، فكذلك ينبغي للمؤمن أن يستقيم قلبه لله فلا يكون في عقيدته وسلوكه عوج من البدع ولا أمت من الكبر والرياء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تصوير مكشوفية الخلائق يوم القيامة؛ فلا جبل يواري الفارين، ولا وادٍ يستر المذنبين؛ فالكل بارزون لرب العالمين.
الحث على الاستقامة الظاهرة والباطنة في الدنيا ليكون العبد في أمان يوم تبلى السرائر.
الأثر التربوي والإيماني:
استشعار مهابة الوقوف في الصعيد المستوي الأملس، حيث ينفذهم البصر ويسمعهم الداعي، والاستعداد للقاء الملك الديان.