تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 334)جامع البيانالطبري١٨/٣٣٤: يروي الطبري عن مجاهد وقتادة في قوله: {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ}: أي أحكموا أمركم ولا تدعوا شيئاً من مكركم وحيلتكم إلا أحضرتموه وأجمعتم عليه رأيكم، وقرأ بعضهم: {فَاجْمَعُوا} بفتح النون من الجمع وهو ضم الشيء إلى بعضه، وقراءة الجمهور: {فَأَجْمِعُوا} بقطع الهمزة وكسر الميم من الإجماع وهو العزم وتوطين النفس على الأمر.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 307)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٠٧: يبين ابن كثير أنهم تواصوا بالاتحاد ورص الصفوف لإرهاب موسى وقومه وإظهار الهيبة أمام الجماهير: {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا}، أي تقدموا جميعاً صفاً واحداً ليكون أوقع في النفوس وأشد إرهاباً لأبصار الناس، {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ}، أي من ظفر وقهر وغلَب اليوم فهو المفلح الفائز بالحظوة عند الملك والجاه في الدنيا.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 225)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٢٥: يذكر القرطبي أنهم جعلوا الفلاح منوطاً بالغلبة والاستعلاء المادي في هذا اليوم الحاسم المشهود، وكانوا يمنون أنفسهم بالجوائز والتقريب من فرعون.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 261)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٦١: يوضح ابن عاشور دلالة {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا} بأنها تعكس التكتيك النفسي والعسكري لأهل الباطل في الاستعراض المنظم لإلقاء الرعب، وأن (ثم) للتراخي الرتبي الدال على أهمية التنظيم بعد إحكام الخطة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَجْمِعُوا: من أجمع الأمر إذا عزم عليه وجعله ذا جمع لا تفرق فيه، ومثله قوله تعالى: {فَأَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ وَشُرَكَاءَكُمْ}.
كَيْدَكُمْ: الكيد: المكر والحيلة والتدبير الخفي في محاربة الخصم.
صَفًّا: الصف: السطر المنتظم من الناس أو الأشياء، وهو منصوب على الحال، أي مصطفين.
اسْتَعْلَىٰ: الاستعلاء: طلب العلو والظفر والقهر والغلبة على الخصم.
الإعراب والتركيب:
فَأَجْمِعُوا: الفاء فصيحة، وأجمعوا فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل.
ائْتُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل.
صَفًّا: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة (أي مصطفين)، أو مفعول مطلق لفعل محذوف.
وَقَدْ: الواو حالية، وقد: حرف تحقيق.
أَفْلَحَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
الْيَوْمَ: ظرف زمان منصوب متعلق بـ أفلح.
مَنِ: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل لـ أفلح.
اسْتَعْلَىٰ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر، والفاعل ضمير مستتر، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد أن حسم السحرة ترددهم الداخلي وقرروا المواجهة تحت ضغط الدعاية السياسية، تداعوا إلى توحيد جهودهم الفنية وتنسيق حركاتهم لتقديم عرض سحري مبهر يخطف الأبصار.
التناسب البلاغي: الارتقاء من التدبير الداخلي {فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ} إلى المظهر الخارجي المنظم {ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا}، ثم اختتام التحريض بكلمة الحماس والتحفيز: {وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف جعلوا الفلاح في الاستعلاء والغلبة، مع أن الفلاح الحقيقي هو الفوز الأخروي والرضوان الإلهي؟
دفع الشبهة:
هذا القول صادر من السحرة في حال كفرهم وجاهليتهم؛ فكان مقياس الفلاح عندهم مقياساً مادياً دنيوياً بحتاً، قائماً على الغلبة الظاهرة والتقرب إلى سلطان فرعون ونيل الذهب والجاه.
حكاية القرآن لمقولتهم هي لبيان ضيق أفقهم المادي قبل أن تشرق في قلوبهم أنوار الإيمان بعد قليل، فيتحول مفهوم الفلاح عندهم من الغلبة الدنيوية إلى التضحية بالنفس في سبيل الله.
الأمر في {فَأَجْمِعُوا} و{ائْتُوا} للتسخير والتحريض وشحذ الهمم.
التنكير في {صَفًّا} للتعظيم والتهويل، أي صفاً عظيماً متراصاً يملأ الأفق رعباً.
استخدام صيغة الاستعلاء {اسْتَعْلَىٰ} الدالة على المغالبة وطلب القهر والارتفاع بالقوة.
التدبر الإشاري: أهل الباطل حريصون على وحدة صفهم وتنظيم جهودهم وتعبئة طاقاتهم في مواجهة الحق؛ فكان أهل الحق أولى بالاجتماع والاعتصام برص الصفوف وتنظيم العمل لنصرة دين الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
ضرورة تنظيم صفوف الدعوة الإسلامية؛ فإن الباطل المنظم قد يروج على الحق المشوش في حس الجماهير لبعض الوقت.
كشف زيف مقاييس القوة المادية التي تجعل الحق تابعاً للغلبة العسكرية أو الإعلامية؛ فالحق حق بذاته ولو قل أتباعه.
الأثر التربوي والإيماني:
الفلاح الحقيقي ليس بالاستعلاء في الأرض بالبغي والكبر، بل بالاستسلام لرب العالمين وخفض الجناح للمؤمنين: {تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا}.