تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 451)جامع البيانالطبري١٨/٤٥١: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في بقية نعم الجنة لآدم: {وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا}: أي ولا تعطش فيها أبداً؛ لأن أنهار الجنة متدفقة وعيونها جارية بشراب لا ينفد، {وَلَا تَضْحَىٰ}: أي ولا يصيبك حر الشمس وأذاها؛ لأنه ليس في الجنة شمس محرقة ولا زمهرير، بل هي ظلال ممدودة وروح وريحان، يقال: ضَحِيَ الرجل يضحى إذا أصابته الشمس بحرها وبرز لها.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 349)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٩: يبين ابن كثير مقابلة هذه الآية للسابقة؛ فالظمأ حرارة الجوف والباطن، والضحى حرارة الجلد والظاهر بوهج الشمس، فجمع الله لآدم نفي الحرارة باطناً وظاهراً، ونفى عنه البروز للشمس بحسن الظلال في رياض الجنة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 340)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٤٠: يذكر القرطبي القراءات في {وَأَنَّكَ}: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو وعاصم وابن عامر: {وَأَنَّكَ} بفتح الهمزة عطفاً على {أَلَّا تَجُوعَ}، وقرأ حمزة والكسائي وأبو بكر عن عاصم: {وَإِنَّكَ} بكسر الهمزة على الاستئناف أو عطفاً على الجملة الابتدائية الأولى.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 356)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٥٦: يشير ابن عاشور إلى أن الضحى هنا مأخوذ من الضح وهو ضوء الشمس وحرارتها؛ والجنة موصوفة بأن أهلها: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}، فكانت وقاية آدم من حرارة الشمس كفالة للمسكن المريح الظليل.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
تَظْمَأُ: الظمأ: شدة العطش والاحتياج إلى الماء.
تَضْحَىٰ: الضحى والضحاء: البروز للشمس والتعرض لحرارتها، من ضَحِيَ يَضْحَى.
الإعراب والتركيب:
وَأَنَّكَ: الواو عاطفة، وأنّ حرف مشبه بالفعل مفتوحة الهمزة، والكاف: اسمها، والمصدر المؤول معطوف على المصدر المؤول السابق (ألا تجوع) في محل نصب (أو مكسورة الهمزة في قراءة على الاستئناف).
لَا: نافية لا عمل لها.
تَظْمَأُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والجملة في محل رفع خبر أنّ.
فِيهَا: جار ومجرور متعلق بـ تظمأ.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: لتوكيد النفي.
تَضْحَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره أنت، معطوف على تظمأ.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تكامل شروط الرغد والرفاهية المطلقة في دار الخلد؛ نفي الجوع والعري، ونفي العطش وحرارة الشمس.
التناسب البلاغي: التقابل المزدوج؛ باطن بباطن (الجوع والظمأ)، وظاهر بظاهر (العري والضحى)، ورصف الآيتين يعطي صورة متكاملة للحياة الهانئة المنعمة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل كان في الجنة شمس حتى يُنفى عن آدم الضحى؟
دفع الشبهة:
نفي الضحى نفي لوجود الحرارة المؤذية والشمس المحرقة؛ فالجنة ذات نور وظلال وارفة كما قال سبحانه: {لَا يَرَوْنَ فِيهَا شَمْسًا وَلَا زَمْهَرِيرًا}.
المعنى: لا تبرز لحر شمس يلفحك كما سيلفحك في الأرض بالحرث والكد إذا خرجت منها، فكان تذكيراً بنعمة الظل الدائم.