إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى
إِذْ رَأَىٰ نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة نقطة التحول الكبرى في حياة موسى عليه السلام، حين كان عائداً بأهله من مدين إلى مصر في ليلة شاتية مظلمة باردة، فضل الطريق واشتد به الكرب، فأبصر نوراً إلهياً ظنه ناراً مادية؛ قال الطبري في جامع البيان (18/283)مصدر غير محدد١٨/٢٨٣: «يقول تعالى ذكره: اذكر حين رأى موسى ناراً وهو يسير بأهله من مدين يريد مصر، وكانت ليلة مظلمة شاتية، وقد حادت به الطريق، وأخذ امرأته المخاض، فقدح زناده فلم يورِ، فضاق به أمره، فبينما هو كذلك إذ آنس ناراً من جانب الطور، فقال لأهله: اثبتوا مكانكم إني أبصرت ناراً، لعلي أجيئكم منها بشعلة تصطلون بها، أو أجد عندها من يدلنا على الطريق». وقال ابن كثير في تفسيره (5/268)مصدر غير محدد٥/٢٦٨: «خرج موسى عليه السلام من مدين بعد ما قضى الأجل وسار بأهله، وكان ذلك في فصل الشتاء وفي ليلة باردة مظلمة، فضلوا الطريق، وكان في أرض تيه، فأراد أن يقدح ناراً ليدفئ أهله ويستضيء بها، فجعل يقدح بالزند فلا يوري شيئاً، فبينما هو في حيرته إذ بدت له نار من جانب جبل الطور الأيمن، فاستبشر بها وظنها ناراً حسية يوقدها السابلة». وروى ابن أبي حاتم عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: «إنما كانت النار نوراً من نور الله تعالى أوقد في شجرة العليق الخضراء، لا تزداد النار إلا اشتعالاً ولا تزداد الشجرة إلا خضرة، فلما رآها موسى من بعيد ظنها ناراً يستدفئ بها ويسترشد بها في مسيره». وقال السعدي في تفسيره (ص 502)مصدر غير محدد٥٠٢: «من لطف الله بموسى وتدبيره له أنه قاده إلى هذا المقام الأعلى بأسباب حسية يطلبها الإنسان بطبعه؛ ذهب يطلب قبساً لنار دنيوية يستدفئ بها جسده، فرجع بنور النبوة والوحي الذي تستنير به الإنسانية إلى يوم القيامة».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا النظم البديع يصور الموقف الحسي الحرج الذي كان يعيشه موسى عليه السلام بدقة متناهية؛ فقد كان يعاني من كربات ثلاث مجتمعة: كربة الظلام والبرد الشديد، وكربة ضلال الطريق في التيه، وكربة مخاض زوجته وخوفه عليها. وفي قمة هذا الكرب البشري، تتجلى الرحمة الإلهية؛ فيقوده بحثه عن النار الدنيوية إلى النور الرباني المطلق؛ وهذا التناسب يكشف سنة الله في اصطفاء رسله؛ إذ يأتيهم الفرج من حيث لا يحتسبون، وتتحول أسباب الخوف الدنيوي إلى أعظم أسباب الأمان والخلود.