تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 339)جامع البيانالطبري١٨/٣٣٩: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة أن موسى عليه السلام لما رأى تلك الحبال والعصي تملأ الأرض وتسعى كأنها حيات حقيقية، وجد في نفسه فزعة وخوفاً بشرياً جِبِلياً، وخشي أن يقع في قلوب الناس شك فلا يؤمنوا به، أو خشي أن تشتبه المعجزة بالحيلة عند العامة قبل أن يلقي عصاه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 310)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٠: يوضح ابن كثير أن هذا الخوف لم يكن خوفاً من السحرة ولا ضعفاً في الإيمان بالوعد الإلهي، بل كان خوفاً بشرياً طبيعياً من هول المنظر وكثرة الحيات، أو خوفاً على الناس أن يُفتنوا بسحرهم قبل أن يُظهر الله معجزته.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 231)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٣١: يذكر القرطبي أن الإيجاس هو الإحساس الخفي في النفس، وخص النفس بالذكر {فِي نَفْسِهِ} ليدل على أنه كتم هذا الخوف ولم يظهره على جوارحه ولا تبدى منه جزع أمام فرعون وقومه وسحرته.
تفسير الرازي (مفاتيح الغيب، ج 22، ص 80)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٢/٨٠: يبين الرازي أن الخوف الجبلي لا ينافي النبوة، فالإنسان مفطور على كراهية المؤذي والنفور من الهوام والحيات، وموسى بشر يرى أمامه ميداناً ملئ بالحيات الساعية، فكانت تلك الوجسة تأكيداً لبشريته وصدقه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَوْجَسَ: الإيجاس: إحساس الشيء في الضمير ووروده على القلب بالخفاء، ومنه الوجيس وهو الصوت الخفي.
خِيفَةً: الخيفة: الخوف والفزع، وبنيت على فِعلة للدلالة على النوع والصفة الخفية.
نَفْسِهِ: باطن الإنسان وروحه وحسه الداخلي.
الإعراب والتركيب:
فَأَوْجَسَ: الفاء عاطفة تفيد التعقيب، وأوجس فعل ماضٍ مبني على الفتح.
فِي نَفْسِهِ: جار ومجرور متعلق بـ أوجس، والهاء: مضاف إليه.
خِيفَةً: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
مُّوسَىٰ: فاعل مؤخر مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر، وتقديم الجار والمجرور والمفعول به على الفاعل للاهتمام بالمخوف وإبراز كتمانه في النفس.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد أن رأى موسى حركة الحبال والعصي وسريان التخييل في الجمع، ذكر القرآن مكنون وجدانه البشري الشريف في تلك اللحظة الحاسمة.
النظم البلاغي: تأخير الفاعل {مُّوسَىٰ} إلى آخر الآية لبيان أن هذا الإيجاس لم يمنعه من الثبات الظاهري، ولإفادة التشويق لذكر اسم كليم الله بعد وصف مشاعر الوجس المكتوم في النفس.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يخاف موسى وقد وعده الله بالحفظ والمعية حين قال: {إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَىٰ}؟
دفع الشبهة وحسم الإشكال:
الخوف درجات؛ وخوف موسى هنا لم يكن شكاً في وعد الله بالنصر، بل هو الخوف الجبلي الغريزي الذي لا ينفك عنه بشر عند رؤية المخاوف الحسية.
كان خوفاً من عاقبة التلبيس على الناس؛ إذ خشي أن يستقر في أذهان العامة أن هذا من جنس المعجزات، فتفوت حكمة الرسالة قبل أن يلقي ما في يمينه.
تسجيل القرآن لهذا الخوف الخفي {فِي نَفْسِهِ} برهان ساطع على صدق النبوة وصحة القرآن؛ إذ لو كان القرآن من صنع البشر لما سجل على نبيهم مشاعر الخوف والوجس في لحظات المواجهة الكبرى.
اختيار لفظ {أَوْجَسَ} دون (خاف أو فزع) للدلالة على الحركة النفسية الباطنية اللطيفة التي لم تظهر على الملامح.
التقديم والتأخير الإعجازي: تقديم {فِي نَفْسِهِ خِيفَةً} على الفاعل {مُّوسَىٰ} لتصوير احتواء النفس للمشاعر وكتمانها التام عن الأعداء.
التدبر الإشاري: لا يُلام المؤمن على المشاعر الفطرية التي تجول في خاطره ما دامت لم تحمله على ترك الواجب أو التراجع عن الحق، والعبرة بالثبات العملي عند نزول البلاء.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
كمال الصدق والمصارحة في المنهج القرآني الذي يعرض الطبيعة البشرية للأنبياء دون غلو ولا أساطير زائفة.
الداعية قد تعتريه لحظات قلق على مصير الدعوة وإيمان الجماهير، وهذا القلق المحمود من كمال الشفقة والحرص على هداية الخلق.
الأثر التربوي والإيماني:
تفويض الأمر لله عند اشتداد الكرب، وعلم العبد بأن الله مطلع على ما يوجسه العبد في صدره وسينزل عليه السكينة والتثبيت في حينها.