تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 420)جامع البيانالطبري١٨/٤٢٠: يروي الطبري عن قتادة وابن عباس في قوله: {نَّحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَقُولُونَ}: أي نحن نعلم سرهم ونجواهم وتخافتهم لا يخفى علينا منه شيء، {إِذْ يَقُولُ أَمْثَلُهُمْ طَرِيقَةً}: أي أعدلهم رأياً وأوفرهم عقلاً وأقربهم إلى الصواب في زعمهم وتقديرهم، {إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا يَوْمًا}: ما لبثتم في الدنيا إلا يوماً واحداً؛ لاستقصاره لزمان الدنيا في مقابلة يوم القيامة الذي مقداره خمسون ألف سنة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 338)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٨: يوضح ابن كثير أن العاقل فيهم والأقرب نظراً هو الذي يرى أن الدنيا بأسرها كانت يوماً واحداً لسرعة فنائها وحقارتها، وهذا يعكس تلاشي الإحساس بالماضي الدنيوي أمام عظمة الأبدية الأخروية.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 311)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣١١: يبين القرطبي أن الأمثل طريقة هنا هو الأرجح عقلاً والأصوب تقديراً في نظرهم؛ لأنه رأى العشرة كثيرة في تقييم مدة الدنيا، فحطها إلى يوم واحد، والكل متفق على سرعة الانقضاء والزوال.
تفسير الرازي (مفاتيح الغيب، ج 22، ص 105)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٢/١٠٥: يحلل الرازي إحاطة العلم الإلهي بتخافتهم الخفي؛ فبين أن الله يعلم دقيق كلامهم وسرهم كما يعلم جهرهم، وهذا من براهين سعة العلم الإلهي التي قررها في السورة: {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَمْثَلُهُمْ: الأمثل: اسم تفضيل من المثل، وهو الأفضل والأعدل والأشبه بالصواب.
طَرِيقَةً: تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة محول عن المبتدأ أو الفاعل (أي أمثل طريقتهم).
إِن: نافية لا عمل لها.
لَّبِثْتُمْ: فعل وفاعل، والجملة مقول القول.
إِلَّا: أداة حصر.
يَوْمًا: ظرف زمان منصوب متعلق بـ لبثتم.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: ارتقاء في تصوير استقصار زمن الدنيا؛ من تقدير العامة له بعشرة أيام إلى تقدير أعقلهم له بيوم واحد، مع تصدير المشهد ببيان الإحاطة العلمية الإلهية بكل ما يهمسون به.
التناسب البلاغي: تصدير الآية بضمير العظمة {نَّحْنُ أَعْلَمُ} يلقي ظلال الهيبة والرقابة الصارمة؛ فلا يخفى على الله همس الخائفين في لجة الجمع الحاشد.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُسمى الكافر المعاند (أمثلهم طريقة) وهو في قعر الضلال؟
دفع الشبهة وبيان المقصد البلاغي:
الأمثل هنا نسبي في إطار التقدير الحسابي لمدى حقارة الدنيا وزوالها، لا في حسن المعتقد والمنهج؛ فالمعنى: أعدلهم نظراً في استقصار مدة الدنيا، أو أعقلهم تقديراً للواقع الزمني المشاهد.
هذا من باب التهكم بحالهم؛ فإذا كان أعقلهم وأمثلهم يرى عمر الدنيا يوماً واحداً، فما بالهم ضيعوا آخرتهم الأبدية لأجل يوم واحد؟!
تصدير الجملة بـ {نَّحْنُ أَعْلَمُ} يفيد قصر العلم التام والإحاطة التامة بالله تعالى.
التدرج من {عَشْرًا} إلى {يَوْمًا} يصور التداعي النفسي السريع لتفاهة الدنيا وتلاشيها التام في وعي أهل المحشر.
التدبر الإشاري: إذا كانت الدنيا كلها في ميزان العقل عند المعاينة يوماً واحداً، فالعاقل من جعل هذا اليوم مزرعة لطاعة ربه، ولم يغتر بلذائذ لحظاته المنقضية.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تذكير الناس بأن الله يسمع سرهم ونجواهم ومحادثاتهم الخفية؛ فالمراقبة الإلهية قائمة في الدنيا والآخرة.
استثمار استقصار الدنيا لبث اليقظة في القلوب الغافلة عن الموت والحساب.
الأثر التربوي والإيماني:
محاسبة النفس على أنفاس العمر وساعاته؛ فإنما هي أيام معدودة تنقضي كلمح البصر لتبدأ بعدها الحياة الحقيقية الدائمة.