تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 453)جامع البيانالطبري١٨/٤٥٣: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن إبليس اللعين لما رأى ما فيه آدم وحواء من النعيم والكرامة، تحيل حتى دخل الجنة ووسوس إلى آدم: {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ}: والوسوسة: الصوت الخفي وحديث النفس بالشر، وجاءه في ثوب الناصح المشفق، {قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَىٰ شَجَرَةِ الْخُلْدِ}: سماها له شجرة الخلد خداعاً وتزويراً؛ زاعماً أن من أكل منها خلد في الجنة فلم يمت أبداً، {وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ}: ومُلك دائم سرمدي لا يزول ولا ينقضي، وقاسمهما بالله إني لكما لمن الناصحين.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 350)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٠: يبين ابن كثير أسلوب إبليس في تزيين الباطل؛ حيث أطلق على الشجرة المنهي عنها اسماً جذاباً خادعاً ({شَجَرَةِ الْخُلْدِ}) مستغلاً حب الإنسان الفطري للخلود ودوام الملك، وهذا هو دأب شياطين الإنس والجن في كل عصر؛ يسمون المحرمات والمنكرات بأسماء محبوبة للنفس ليروجوا فسادهم (كتسمية الخمر مشروبات روحية، والربا فوائد واستثماراً).
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 342)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٤٢: يذكر القرطبي أن الشيطان دخل على آدم من أضعف نقاط النفس البشرية وهي الرغبة في البقاء والملك؛ وكان الله قد حرم عليه شجرة واحدة وأباح له سائر أشجار الجنة، فصرف الشيطان بصره عن كل المباحات وعلق قلبه بالممنوع.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 358)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٥٨: يحلل ابن عاشور أسلوب العرض في {هَلْ أَدُلُّكَ}؛ وهو أسلوب تشويق واستدراج لطيف يثير الفضول ويشعر بالحرص والمحبة، ليخدع به آدم.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
فَوَسْوَسَ: الوسوسة: الكلام الخفي المكرر، وأصلها من وسواس الحلي وهو صوته الخفي، وتطلق على إلقاء الشر في القلب بخفاء.
هَلْ أَدُلُّكَ: الدلالة: الإرشاد والهداية إلى المطلوب.
شَجَرَةِ الْخُلْدِ: شجرة يخلد آكلها بزعمه الكاذب.
لَّا يَبْلَىٰ: البِلى: الفناء والدروس والاضمحلال، أي لا يزول ولا ينقطع.
الإعراب والتركيب:
فَوَسْوَسَ: الفاء عاطفة، ووسوس فعل ماضٍ مبني على الفتح.
إِلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ وسوس (وضُمّن معنى أفضى أو ألقى).
الشَّيْطَانُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
قَالَ: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر تقديره هو، والجملة مفسرة للوسوسة أو بدل منها.
يَا آدَمُ: يا حرف نداء، وآدم: منادى مفرد علم مبني على الضم.
هَلْ: حرف استفهام للعرض والتشويق.
أَدُلُّكَ: فعل مضارع مرفوع، والفاعل مستتر تقديره أنا، والكاف مفعول به.
عَلَىٰ شَجَرَةِ: جار ومجرور متعلق بـ أدلك.
الْخُلْدِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
وَمُلْكٍ: معطوف على شجرة مجرور مثله.
لَّا: نافية لا عمل لها.
يَبْلَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، والجملة في محل جر نعت لـ ملك.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد تحذير الله الصريح لآدم من عداوة إبليس، جاء تصوير الاختراق الشيطاني؛ لبيان كيف استطاع العدو بحيلته وخداعه أن يغري آدم وزوجه حتى نسيا العهد.
التناسب البلاغي: تصدير العرض باستفهام التشويق {هَلْ أَدُلُّكَ}، وجمع الإغراء بين الحياة الأبدية {شَجَرَةِ الْخُلْدِ} والسيادة الدائمة {وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف صدق آدم إبليس وقد حذره الله منه وقال له: {إِنَّ هَٰذَا عَدُوٌّ لَّكَ وَلِزَوْجِكَ}؟
دفع الشبهة وبيان مكر الشيطان:
إبليس لم يأتِ آدم بصفته عدواً معلناً للكفر، بل تظاهر بالنصح والمحبة، وأقسم لهما بالله أيماناً مغلظة كما قال تعالى: {وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ}.
لم يكن آدم يظن أن أحداً من خلق الله يمكن أن يحلف بالله كاذباً؛ فلما حلف له إبليس بالله اغتر بيمينه وظن صدقه، كما قال قتادة: "خدعه بالله، والمؤمن يخدع بالله".
التعدية بـ (إلى) في {فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ}: لتضمين الفعل معنى الإنهاء والإيصال؛ أي أوصل وسوسته إلى قلبه مباشرة.
التسمية التمويهية: {شَجَرَةِ الْخُلْدِ} وهي من أقدم أساليب الحرب النفسية وتزيين الباطل بالألفاظ البراقة.
التدبر الإشاري: الشيطان يدرس نقاط ضعف الإنسان جيداً؛ وأعظم شهوات النفس حب البقاء والخلود والرياسة؛ فمن هناك تدخل الفتن إذا لم يحصن العبد نفسه بالاعتصام بشرع الله.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
فضح أساليب التضليل الإعلامي والدعائي التي تغير أسماء المنكرات لتسهيل تسويقها في المجتمع.
الحذر من كل ناصح يزين تجاوز حدود الله بدعوى المصلحة والترقي.
الأثر التربوي والإيماني:
اليقظة الدائمة من وساوس الشيطان، والتذكر الدائم بأن الخلود الحقيقي والملك الذي لا يبلى إنما هو في جنات النعيم بطاعة الله وليس بمعصيته.