تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 434)جامع البيانالطبري١٨/٤٣٤: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وسعيد بن جبير وقتادة ومجاهد في تفسير الآية: {وَعَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ}: أي خضعت وذلت واستسلمت وجوه الخلائق جميعاً لجلال الله، والعناء في اللغة: الخضوع والذل والأسر، ومنه قيل للأسير: عانٍ، وللأسيرة: عانية؛ فالخلائق كلهم يومئذٍ أسرى بين يدي الله خاشعون لهيبة الحي الذي لا يموت، القيوم القائم بنفسه المقيم لكل ما سواه، {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا}: أي خسر وهلك وحرم الجنة كل من وافى ربه متحملاً للشرك بالله وظلم العباد.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 343)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٣: يبين ابن كثير أن تخصيص الوجوه بالذكر لأنها أشرف أعضاء الجسد ومجمع الحواس ومظهر العزة والكبرياء؛ فإذا خضعت وذلت الوجوه وسجدت للجبار كان سائر الجسد تبعاً لها في الخضوع والاستكانة، والظلم الأعظم هو الشرك: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، ومعه ظلم العباد في دمائهم وأموالهم وأعراضهم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 325)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٢٥: يذكر القرطبي أن اسم الله {الْحَيِّ} يدل على دوام البقاء وسائر صفات الذات، واسم {الْقَيُّومِ} يدل على استغنائه عن كل شيء وافتقار كل شيء إليه، وهما الاسمان الأعظم اللذان إذا دُعي الله بهما أجاب وإذا سُئل بهما أعطى.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 341)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٤١: يشير ابن عاشور إلى أن التعبير بالماضي {وَعَنَتِ} لتحقيق وقوع هذا الخضوع التام وتصويره كأنه حاضر واقع مشهود في الأعين.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
عَنَتِ: العُنُوّ: الخضوع والذل والاستسلام والانقياد بالصغار، يقال: عنا له وجهي أي خضع وذل، ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: "اتقوا الله في النساء فإنهن عوانٍ عندكم" أي أسيرات لخضوعهن لأزواجهن.
الْحَيِّ: صفة مشبهة لله تدل على الحياة الذاتية الكاملة الأزلية الأبدية التي لا يعتريها موت ولا نوم ولا سنة.
الْقَيُّومِ: صيغة مبالغة من القيام، وهو القائم بذاته، المقيم لشؤون خلقه، المدبر لكل الكائنات.
ظُلْمًا: الظلم: وضع الشيء في غير موضعه اللائق به، وأعظمه الشرك والبغي على الناس.
الإعراب والتركيب:
وَعَنَتِ: الواو عاطفة، وعنت فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة لالتقاء الساكنين، والتاء للتأنيث وحركت بالكسر لالتقاء الساكنين.
الْوُجُوهُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
لِلْحَيِّ: اللام حرف جر وخضوع، والحي مجرور بالكسرة متعلق بـ عنت.
الْقَيُّومِ: نعت لـ الحي مجرور وعلامة جره الكسرة.
وَقَدْ: الواو حالية، وقد: حرف تحقيق.
خَابَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح.
مَنْ: اسم موصول مبني على السكون في محل رفع فاعل لـ خاب.
حَمَلَ: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول.
ظُلْمًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، وجملة قد خاب في محل نصب حال أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد بيان سعة العلم الإلهي ونفي الشفاعة إلا بإذنه، صور المشهد الختامي لعرصات القيامة؛ ذل الجباه واستسلام الوجوه، وانقطاع حيل الظالمين وخيبتهم المطلقة.
التناسب البلاغي: إقران خضوع الوجوه بالاسمين الكريمين {لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ}؛ لأن الحياة الكاملة والقيومية التامة توجبان كمال الخضوع والعبودية والانكسار من المربوب لربه.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا خُص الظلم هنا بقوله: {وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْمًا} ولم يقل كفراً أو فجوراً؟
دفع الشبهة وبيان شمول الظلم:
الظلم هو جامع كل الشرور والذنوب؛ فالكفر ظلم كما قال تعالى: {وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ}، والشرك ظلم عظيم: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}، وبغي الإنسان على نفسه بالمعاصي ظلم، وبغيه على عباد الله في أموالهم ودمائهم وأعراضهم ظلم.
التعبير بـ {حَمَلَ ظُلْمًا} فيه تجسيد لبشاعة الظلم؛ حيث يأتي الظالم يوم القيامة يحمل مظالم العباد على ظهره مفضوحاً أمام الملأ خائباً محروماً من النجاة.
التعبير بـ {الْوُجُوهُ}: مجاز مرسل علاقته الجزئية؛ أطلق الوجه وأراد الذات والإنسان كله، وخص الوجه لأنه مظهر الكبر أو الخضوع.
المقابلة في الآية بين كمال عزة الرب بالحي القيوم، وبين كمال ذل العبد بالعنو والخضوع.
تنكير {ظُلْمًا} للتهويل؛ ليشمل قليل الظلم وكثيره.
التدبر الإشاري: الوجوه التي استكبرت في الدنيا عن السجود للحي القيوم ستعنو وتذل في الآخرة صاغرة؛ فالعاقل من عفر وجهه في التراب تذللاً لله اليوم ليرفعه الله ويكرمه غداً.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
التحذير الشديد من الظلم بكل صوره؛ فإن الظلمات ظلمات يوم القيامة، ودعوة المظلوم ليس بينها وبين الله حجاب.
الدعوة إلى التحلل من المظالم وحقوق العباد قبل أن يأتي يوم لا درهم فيه ولا دينار بل القصاص بالحسنات والسيئات.
الأثر التربوي والإيماني:
امتلاء القلب بالافتقار إلى الحي القيوم، والانكسار بين يديه في السجود والخلوات، والاستعاذة الدائمة من مظالم العباد.