تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 438)جامع البيانالطبري١٨/٤٣٨: يروي الطبري عن قتادة وابن عباس ومجاهد في تفسير الآية: {وَكَذَٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا}: أي ومثل هذا البيان الشافي المحكم أنزلنا هذا الكتاب بلسان عربي مبين، فصيح الألفاظ جلي المعاني، {وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ}: أي كررنا ونوعنا وفصلنا فيه من التخويف والإنذار والوعيد بالهلاك في الدنيا وعذاب جهنم في الآخرة، {لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ}: لعلهم يجتنبون الشرك والمعاصي خوفاً من حلول ذلك الوعيد، {أَوْ يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا}: أو يجدد لهم القرآن تذكيراً وعظة واعتباراً وتدبراً وطاعة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 345)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٥: يوضح ابن كثير أن تصريف الوعيد هو تنويعه بأساليب مختلفة (أمور القيامة، قصص المهلكين، صفات الجحيم)؛ لكي تتأثر به مختلف النفوس؛ فمن النفوس من يزجرها الخوف فتتقي، ومنها من يوقظها التذكير والوعظ فيحدث لها إيماناً وخشوعاً.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 329)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٢٩: يبين القرطبي أن معنى {يُحْدِثُ لَهُمْ ذِكْرًا} أي شرفاً وصلاحاً وطاعة يذكرون بها ويثابون عليها، أو إحداث تدبر لآيات الله وأخذ العبرة من أخباره.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 344)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٤٤: يشير ابن عاشور إلى بديع قوله {صَرَّفْنَا}؛ فالتصريف هو تقليب الشيء وتوجيهه في وجوه متعددة؛ فجاء الوعيد في القرآن تارة بالضرب بالأمثال، وتارة بالحجج العقلية، وتارة بالمشاهد الحسية ليبلغ غاية البلاغ.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
عَرَبِيًّا: بلسان العرب، وهو أفصح الألسن وأوسعها بياناً وإعجازاً.
صَرَّفْنَا: التصريف: التنويع والتكرير والتقليب في وجوه شتى.
الْوَعِيدِ: التخويف بالعقاب والإنذار بالسوء.
يَتَّقُونَ: التقوى: اتخاذ وقاية من عذاب الله بفعل الأوامر واجتناب النواهي.
يُحْدِثُ: الإحداث: الإيجاد والتجديد بعد أن لم يكن.
الإعراب والتركيب:
وَكَذَٰلِكَ: الواو استئنافية، والكاف حرف تشبيه وجر، وذا: اسم إشارة مجرور متعلق بمحذوف مفعول مطلق لـ أنزلناه.
أَنزَلْنَاهُ: فعل ماضٍ وفاعله ومفعوله الأول.
قُرْآنًا: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة (أو مفعول به ثانٍ).
عَرَبِيًّا: نعت لـ قرآناً منصوب.
وَصَرَّفْنَا: الواو عاطفة، وفعل وفاعل.
فِيهِ: جار ومجرور متعلق بـ صرفنا.
مِنَ الْوَعِيدِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف مفعول به لـ صرفنا (أي شيئاً من الوعيد).
لَعَلَّهُمْ: حرف ترجٍ ونصب، والهاء: اسمها.
يَتَّقُونَ: فعل مضارع والواو فاعل، والجملة في محل رفع خبر لعلّ.
أَوْ: حرف عطف للتنويع والتقسيم.
يُحْدِثُ: فعل مضارع منصوب معطوف على ما قبله أو مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على القرآن.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يحدث.
ذِكْرًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد استعراض مشاهد القيامة والوعيد والشفاعة وميزان الحسنات والسيئات، جاء التنويه بعظمة هذا التنزيل الحكيم وبيان حكمة تنويع أساليبه الترهيبية والتذكيرية.
التناسب البلاغي: التقسيم البديع لغايات التنزيل بـ أو: إما إحداث التقوى باجتناب المنهيات، أو إحداث الذكر واليقظة بفعل الطاعات والتذكر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا خُص الوعيد بالذكر هنا {صَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ} مع أن القرآن مليء بالوعد والترغيب والتبشير؟
دفع الشبهة ومراعاة السياق:
السياق السابق كله كان في الوعيد وأهوال القيامة وحمل الوزر وزرقة المجرمين وهلاك فرعون ونسف الجبال؛ فناسب المقام ذكر الوعيد لأنه الألصق بالجو العام للآيات.
النفوس البشرية المعاندة يغلب عليها الاستكبار والطغيان، فالوعيد والترهيب أدعى لكسر جماحها وإيقاظها من سبات الغفلة والغرور.
صياغة التفعيل في {صَرَّفْنَا} للدلالة على الكثرة والتنويع والإحكام البالغ لأساليب القرآن.
التعبير بـ {عَرَبِيًّا} لإبراز كمال الفصاحة والبيان والوضوح الذي يقطع كل عذر للمكذبين.
التدبر الإشاري: القرآن معجون برحمة الله بعباده؛ يقلب لهم المواعظ ويصرف لهم الآيات لعل قلباً يلين، أو نفساً تتوب، أو غافلاً ينتبه؛ فما أعظم حجة الله على خلقه!
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تنويع أساليب الدعوة والتربية بين الترهيب والترغيب والمحاكمة العقلية اقتداءً بمنهج القرآن في تصريف الآيات.
التذكير الدائم باللغة العربية وأهميتها في فهم أسرار التنزيل وبلاغته.
الأثر التربوي والإيماني:
تعريض النفس لمواعظ القرآن وتدبر آيات الوعيد بوجل وخشية لتثمر التقوى في القلب والعمل الصالح بالجوارح.