تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 368)جامع البيانالطبري١٨/٣٦٨: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن الله تعالى يذكر بني إسرائيل بنعمه الجسام التي أنعم بها عليهم بعد خروجهم من مصر؛ فأولاها: إنجاؤهم من عدوهم فرعون وجنوده بالغرق، والثانية: مواعدة نبيهم موسى لمناجاته وإنزال التوراة عند جانب جبل الطور الأيمن، والثالثة: إنزال المن والسلوى عليهم في تيه سيناء طعاماً طيباً هنيئاً كافياً دون كد ولا نصب.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 320)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٠: يبين ابن كثير حقيقة المن والسلوى؛ فالمن: مادة صمغية حلوة كالعسل أو الترنجبين تسقط على الأشجار في الصباح فيأخذونها ويأكلونها، والسلوى: طائر السماني الطيب اللحم، كان يأتيهم بأسراب كثيفة فيسقط بينهم فيمسكونه ويأكلون منه أطيب اللحم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 257)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٥٧: يذكر القرطبي القراءات في قوله: {وَوَاعَدْنَاكُمْ}: قرأ أبو عمرو وأهل البصرة: {وَوَعَدْنَاكُمْ} بغير ألف من الوعد ثلاثياً، وقرأ الباقون: {وَوَاعَدْنَاكُمْ} بالألف من المواعدة. واختار الجمهور قراءة الألف لأن المواعدة فيها طرفان: الله عز وجل بالوحي والأمر، وموسى وبنو إسرائيل بالحضور والامتثال.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 285)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٨٥: يوضح ابن عاشور الترتيب الإلهي في ذكر النعم: بدأ بنعمة النجاة من الهلاك والعبودية، ثم ثنى بنعمة الهداية والتشريع بمواعدة الطور لإنزال التوراة، ثم ثلث بنعمة الرزق الحسي الهنيء (المن والسلوى)، وهي جماع نعم الدين والدنيا.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَنجَيْنَاكُم: الإنجاء: التخليص من الهلكة والمكروه وإيصال الشخص إلى بر الأمان.
وَاعَدْنَاكُمْ: المواعدة: الاتفاق على لقاء في زمان ومكان محددين.
الطُّورِ: الجبل المنبت للأشجار، والمراد به جبل سيناء.
الْأَيْمَنَ: صفة للجانب، مأخوذ من اليمين نقيض اليسار، أو من اليُمن والبركة.
الْمَنَّ: كل رزق سهل يمن الله به بغير كد ولا عمل، وكان ينزل عليهم كالعسل والترنجبين.
السَّلْوَىٰ: طائر السماني، اشتق من السلوة لأن أكله يسلي عن غيره من الأطعمة لطيبه.
الإعراب والتركيب:
يَا بَنِي: يا حرف نداء، وبني منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه ملحق بجمع المذكر السالم.
إِسْرَائِيلَ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الفتحة نيابة عن الكسرة لمنعه من الصرف للعلمية والعجمة.
قَدْ: حرف تحقيق.
أَنجَيْنَاكُم: فعل ماضٍ وفاعله، والكاف: مفعول به.
مِّنْ عَدُوِّكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ أنجيناكم، والكاف: مضاف إليه.
وَوَاعَدْنَاكُمْ: الواو عاطفة، وواعدناكم فعل وفاعل ومفعول أول.
جَانِبَ: مفعول به ثانٍ منصوب (أو منصوب على نزع الخافض).
الطُّورِ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
الْأَيْمَنَ: نعت لـ جانب منصوب وعلامة نصبه الفتحة (أو نعت للطور بالنظر إلى المعنى).
وَنَزَّلْنَا: الواو عاطفة، ونزلنا فعل وفاعل.
عَلَيْكُمُ: جار ومجرور متعلق بـ نزلنا.
الْمَنَّ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
وَالسَّلْوَىٰ: معطوف على المن منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد إهلاك العدو المشترك، توجه الخطاب الإلهي المباشر إلى بني إسرائيل امتناناً وتذكيراً بنعم الله الكبرى؛ ليكون ذلك مدخلاً للأمر بالشكر والتحذير من الطغيان وكفران النعمة.
النظم البياني: التدرج الرائع في عرض النعم: الأمن النفسي والجسدي أولاً بالنجاة، ثم الغذاء الروحي والتشريعي بميقات الطور، ثم القوت المادي البدني بالمن والسلوى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يخاطب بني إسرائيل بـ {وَوَاعَدْنَاكُمْ} والواعد الحقيقي هو موسى عليه السلام وحده في المناجاة؟
دفع الشبهة:
موسى كان إمامهم ورسولهم وممثلهم الشرعي، فما يوحى إليه وما يُواعد عليه إنما هو لأجلهم ولتلقي الشريعة والتوراة التي تخصهم جميعاً.
اختار موسى منهم سبعين رجلاً لميقات ربه، فكانت المواعدة تشمل نخبتهم وممثليهم أصالة، وسائر الأمة تبعاً لهم.
التعبير بضمير الجمع يدل على أن ثمرة المناجاة وهي الكتاب والهدى نعمة عامة على جميع بني إسرائيل.
وصف جانب الطور بـ {الْأَيْمَنَ}: إشعار باليُمن والبركة والشرف لهذا البقعة المباركة التي كلم الله فيها نبيه.
التدبر الإشاري: نعم الله تحيط بالمؤمن في سفره وحضره، فإذا أخرجه الله من ضيق العبودية والاستضعاف، تفضل عليه بنور التكليف وطيبات الرزق؛ فلا يليق بالعبد بعد ذلك إلا الشكر والخضوع.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):