تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 362)جامع البيانالطبري١٨/٣٦٢: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن الله تبارك وتعالى بعد هلاك السحرة ومضي سنوات الآيات المفصلات (الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم)، أوحى إلى موسى عليه السلام حين اشتد أذى فرعون على بني إسرائيل أن يخرج بهم ليلاً: {أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي}: الإسراء هو السير بالليل، {فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا}: أي اضرب بعصاك البحر لينفلق لهم طريقاً يابساً لا وحل فيه ولا ماء، {لَّا تَخَافُ دَرَكًا}: لا تخاف أن يدركك فرعون وجنوده من ورائكم، {وَلَا تَخْشَىٰ}: ولا تخشى من الغرق في البحر أمامكم.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 317)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٧: يوضح ابن كثير أن موسى لما سار ببني إسرائيل ووصلوا شاطئ البحر الأحمر (بحر القلزم)، تراءى الجمعان، فقال أصحاب موسى: إنا لمدركون، فأمره الله أن يضرب البحر بعصاه، فضربه فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم، وصار قاع البحر يابساً كأنه طريق بري ممهد بفعل الريح الشرقية التي هبت عليه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 250)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٥٠: يذكر القرطبي القراءات في قوله: {أَنْ أَسْرِ}: قرأ نافع وابن كثير وأبو عمرو: {أَنْ أَسْرِ} بقطع الهمزة وفتحها من أسرى يُسري، وقرأ الباقون: {أَنِ اسْرِ} بوصل الهمزة وكسر النون من سرى يَسري، وهما لغتان فصيحتان بمعنى السير ليلاً. وفي {لَّا تَخَافُ}: قرأ حمزة وحده بالجزم: {لَّا تَخَفْ دَرَكًا} على أنه جواب للأمر (فاضرب)، وقرأ الباقون بالرفع: {لَّا تَخَافُ} على الحال أو الاستئناف.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 280)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٨٠: يشير ابن عاشور إلى بديع قوله تعالى: {يَبَسًا} وهو مصدر وصف به للمبالغة، أي بالغاً أقصى درجات اليبس والجفاف دون أي طين أو لزوجة تعوق سير الشيوخ والأطفال والدواب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَسْرِ: من السرى وهو سير عامة الليل، ويقال: سرى وأسرى لغتان.
فَاضْرِبْ: الضرب هنا إما إيقاع العصا على الماء، أو شق الطريق وإيجاده، كقولهم: ضرب له في الأرض طريقاً.
يَبَسًا: اليبس: الجفاف ضد الرطوبة والبلل، وهو مصدر أطلق على الوصف مبالغة.
فَاضْرِبْ: الفاء عاطفة سببية، واضرب فعل أمر مبني على السكون، والفاعل مستتر تقديره أنت.
لَهُمْ: جار ومجرور متعلق بـ اضرب.
طَرِيقًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
فِي الْبَحْرِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ طريقاً.
يَبَسًا: نعت ثانٍ لـ طريقاً منصوب وعلامة نصبه الفتحة (مصدر وصف به للمبالغة).
لَّا: نافية لا عمل لها.
تَخَافُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل مستتر، والجملة في محل نصب حال من ضمير الفاعل في فاضرب، أو استئنافية.
دَرَكًا: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: نافية.
تَخْشَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، والجملة معطوفة على جملة لا تخاف.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد إيمان السحرة وبلوغ الصراع ذروته في مصر، طويت سنوات طويلة من الابتلاء، وانتقل السياق مباشرة إلى الفصل الحاسم: خروج المستضعفين وإنجاء الله لهم من قبضة الطاغية.
التناسب البلاغي: الجمع بين نفي الخوف ونفي الخشية: {لَّا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَىٰ}؛ لأن المحصور بين عدو متعقب وبحر هادر يعتريه خوفان: خوف اللحوق والقتل من الخلف (الدرك)، وخوف الغرق في اليم من الأمام (الخشية)، فنفى الله عنه كلا الخوفين وبشره بالأمان التام.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يجف قاع البحر فور انفلاقه حتى يكون (يبساً) دون وحل وطين يمنع سير أمة كاملة بدوابها؟
دفع الشبهة:
الذي فلق البحر وحبس مليارات الأطنان من المياه وجعلها كالجبال الصامتة قادر بقدرته التامة أن يجفف قاع البحر بالريح وأمره المطلق كن فيكون في لحظة خاطفة.
هذا وجه خرق العادة وإعجاز الموقف؛ فلو كان هناك وحل وطين لغاصت عجلات العربات وأقدام الأطفال والدواب، ولأدركهم فرعون، لكن الله جعل القاع طريقاً ممهداً صلباً مسهلاً لعباده.