مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ
مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ
تختصر هذه الآية الكريمة الدورة الوجودية الكاملة للإنسان على هذه الأرض؛ مبينة أطوار النشأة، والموت، والبعث والنشور؛ قال الطبري في جامع البيان (18/360)مصدر غير محدد١٨/٣٦٠: «يقول تعالى ذكره: من الأرض خلقناكم أيها الناس؛ بخلقنا أباكم آدم من ترابها وطينها، وفيها نعيدكم أمواتاً بعد وفاتكم فتدفنون في بطنها وترابها، ومنها نخرجكم أحياءً بعد فنائكم بالنفخ في الصور يوم القيامة للحساب والجزاء تارة أخرى، كما أخرجناكم منها أول مرة حين خلقناكم». وقال ابن كثير في تفسيره (5/279)مصدر غير محدد٥/٢٧٩: «{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ} أي: من الأرض كان ابتداؤكم؛ فإن أباكم آدم خلق من تراب الأرض، {وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ} أي وتصيرون إليها إذا متم وتبلون في ترابها، {وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ} أي: يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً؛ كقوله تعالى: {قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ}». وروى أحمد والترمذي وابن ماجه عن أبي أمامة رضي الله عنه قال: لما وضعت أم كلثوم بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في القبر، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «{مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَىٰ}، بسم الله، وفي سبيل الله، وعلى ملة رسول الله». وقال السعدي في تفسيره (ص 505)مصدر غير محدد٥٠٥: «هذه الآية جمعت البداية والنهاية ومصير الخلائق؛ فالأرض أمنا التي منها خلقنا، وهي كفالتنا أحياءً وأمواتاً، ومنها يبعثنا الله تارة أخرى ليجازي كل إنسان بما عمل».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التناسب الإعجازي يتوج حديث موسى عن الأرض التي جعلها الله مهداً؛ فبعد أن بين وظيفة الأرض في الرزق وإنبات الزرع في الآيتين السابقتين، ارتقى إلى بيان وظيفتها الكبرى في مصير الإنسان ذاته! فالأرض ليست مجرد بساط للمشي ومزرعة للطعام، بل هي مادة تكوينك الجسدي، ومستقرك بعد الموت، ومنطلق بعثك الأبدي؛ فكان هذا النظم حجة حاسمة ودامغة على فرعون المكذب بالبعث واليوم الآخر، مذكراً إياه بأصله الترابي ونهايته المحتومة في حفرة من التراب!