تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 350)جامع البيانالطبري١٨/٣٥٠: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة والسدي في جواب السحرة لفرعون حين هددهم بالصلب والتقطيع: {قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ}: أي لن نختارك ولا نفضل ملكك وطاعتك ودنياك على ما شهدناه وتحققناه من آيات الله الباهرات وحججه القاطعات على يد موسى، {وَالَّذِي فَطَرَنَا}: أقسموا بالذي خلقهم وابتدعهم أنهم لن يرجعوا عن إيمانهم، {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ}: اصنع ما بدا لك وافعل ما تقدر عليه من عقاب وقتل، {إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}: إنما سلطانك وقضاؤك نافذ في هذه الدار الفانية الزائلة، وسينقطع بموتنا لننتقل إلى دار الكرامة والنعيم المقيم عند ربنا.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 314)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٤: يبين ابن كثير عظمة هذه الكلمات وما حوته من يقين لا يتزعزع وشجاعة تفوق الوصف؛ حيث تحول أولئك القوم من الطمع في أجر فرعون إلى احتقار ملكه والاستهانة ببطشه في لحظات معدودة، لعلمهم بحقارة الدنيا وسرعة زوالها أمام خلود الآخرة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 241)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٤١: يوضح القرطبي أن قوله: {وَالَّذِي فَطَرَنَا} يحتمل وجهين: إما أن يكون قسماً مستقلاً، أي: ونقسم بالذي فطرنا لن نؤثرك، أو معطوفاً على {مَا جَاءَنَا}، أي لن نؤثرك على البينات وعلى الذي فطرنا، والوجه الأول أظهر في الدلالة على القسم والتعظيم.
تفسير الرازي (مفاتيح الغيب، ج 22، ص 86)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٢/٨٦: يحلل الرازي الاستدلال العقلي الباهر في قولهم: {إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}؛ فبينوا أن نهاية مقدور الطاغية هو سلب الحياة الدنيا الفانية، وهي حياة مشحونة بالآلام منقضية عن قريب، فكيف يفتدى بها العذاب الأخروي الأبدي؟
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
لَن نُّؤْثِرَكَ: الإيثار: التقديم والاختيار والتفضيل للشيء على غيره.
الْبَيِّنَاتِ: جمع بينة، وهي الحجة الواضحة القاطعة التي تبين الحق من الباطل.
فَطَرَنَا: الفطر: الابتداع والخلق على غير مثال سابق، وشق العدم بالإيجاد.
فَاقْضِ: القضاء: الحكم والإمضاء والفصل والصنع، أي انفذ ما تريد تنفيذه.
الإعراب والتركيب:
قَالُوا: فعل ماضٍ وفاعله.
لَن: حرف نفي ونصب واستقبال مبني على السكون.
نُّؤْثِرَكَ: فعل مضارع منصوب بـ لن وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره نحن، والكاف: مفعول به.
عَلَىٰ: حرف جر.
مَا: اسم موصول مبني في محل جر بـ على متعلق بـ نؤثرك.
جَاءَنَا: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على ما، ونا: مفعول به، والجملة صلة الموصول.
مِنَ الْبَيِّنَاتِ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فاعل جاءنا.
وَالَّذِي: الواو واو القسم، والذي اسم موصول في محل جر متعلق بفعل قسم محذوف (أو الواو عاطفة على ما جاءنا).
فَطَرَنَا: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر، ونا: مفعول به، والجملة صلة الموصول.
فَاقْضِ: الفاء فصيحة، واقضِ فعل أمر مبني على حذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره أنت.
تَقْضِي: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر تقديره أنت.
هَٰذِهِ: اسم إشارة مبني على الكسر في محل نصب مفعول به على الاتساع، أو ظرف زمان منصوب.
الْحَيَاةَ: بدل من اسم الإشارة منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
الدُّنْيَا: نعت لـ الحياة منصوب بفتحة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: أعظم جواب يسجله الوحي على ألسنة رجال تذوقوا حلاوة الإيمان، في مقابلة طغيان فرعون وتهديده بالقتل والصلب.
النظم البياني: استخدام (لن) التأبيدية في نفي الإيثار، ثم مواجهته بالأمر التعجيزي والتحقيري: {فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ} لإسقاط هيبته وإعلامه بأنه لم يعد يرهبهم، ثم حصر سلطانه في الدائرة الدنيوية الضيقة: {إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يخاطبون ملكاً جباراً يملك الجيوش بهذه الجرأة والصلابة دون خوف من التنكيل؟
دفع الشبهة:
الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب ملأها بعزة الله، فيتضاءل أمامها كل جبار متكبر، وتستحيل المخاوف الدنيوية عدماً.
انكشاف حقيقة الدنيا والآخرة لأعينهم؛ فرأوا أن غاية ما يقدر عليه فرعون هو تعجيل لقائهم بربهم والشهادة في سبيله، فنالوا بذلك الحرية المطلقة من أسر الخوف الدنيوي.
الحصر بـ {إِنَّمَا} لتحقير ملك فرعون وحصره في زمن يسير فتاك وهو الدنيا الزائلة.
الجناس الاشتقاقي البديع بين {فَاقْضِ} و{قَاضٍ} و{تَقْضِي}، الذي يعكس الاستهانة بقراراته وقضائه.
وصف الدنيا بـ {هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا} باسم الإشارة للقريب الداني تصغيراً لشأنها وتقليلاً من قيمتها.
التدبر الإشاري: أعظم انتصار يحققه الإنسان في حياته هو تحرره من الخوف على الرزق والأجل؛ فساعة يدرك العبد أن الخلق لا يملكون موتاً ولا حياة ولا نشوراً، يسقط صنم الخوف من الطواغيت إلى الأبد.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تعليم الأجيال شجاعة الموقف والصدع بكلمة الحق أمام السلطان الجائر دون مواربة ولا مداهنة.
غرس موازين الآخرة في النفوس لمواجهة الابتلاءات والضغوط الدنيوية.
الأثر التربوي والإيماني:
عزة المؤمن بالله؛ فالذي يقف بين يدي ربه ساجداً لا يمكن أن ينحني لطاغية مهما كانت أسباب بطشه: {وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ}.