تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 470)جامع البيانالطبري١٨/٤٧٠: يروي الطبري بإسناده عن قتادة وابن عباس ومجاهد في تقرير السنة الإلهية العامة في الجزاء: {وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ}: أي ومثل ذلك الجزاء الذي جزينا به هذا المعرض بالمعيشة الضنك في الدنيا وعذاب القبر وعمى البصر في المحشر، نجزي كل من أسرف على نفسه وتجاوز حدوده بالشرك وارتكاب المعاصي وكفران النعم، {وَلَمْ يُؤْمِن بِآيَاتِ رَبِّهِ}: ولم يصدق بحجج ربه وبراهينه ولم يتبع رسله، {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ}: ولعذاب نار جهنم في الدار الآخرة أشد ألماً ووجعاً من عذاب الدنيا والبرزخ، وأبقى دواماً وخلوداً؛ لأنه عذاب سرمدي لا ينقطع ولا يخفف عنهم أبداً.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 356)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٦: يوضح ابن كثير أن الإسراف هو مجاوزة الحد، وأعظم الإسراف الشرك بالله، وأن عذاب الدنيا مهما عظم فإنه منقطع بالموت وله نهاية، أما عذاب الآخرة فهو أشد في كيفيته وهوله، وأبقى في زمانه وخلوده، فلا راحة فيه ولا موت.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 358)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٥٨: يبين القرطبي أن تكرار وصف العذاب بـ {أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ} في السورة جاء ليرد على فرعون في قوله للسحرة: {وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَىٰ}، فرد الله عليه هنا مبيناً أن عذاب الآخرة هو الأشد والأبقى حقيقة لا عذاب ملوك الدنيا الزائل.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 370)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٧٠: يشير ابن عاشور إلى أن اسم الإشارة {وَكَذَٰلِكَ} أفاد التعميم بعد التخصيص؛ فبعد ذكر المعرض الفردي، بينت الآية أن هذا الجزاء قانون كلي عام مطرد في كل من اتصف بالإسراف والتكذيب.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَسْرَفَ: السرف والإسراف: مجاوزة الحد في كل فعل أو قول، وضده الاقتصاد والقصد.
أَشَدُّ: اسم تفضيل من الشدة، وهي القوة والغلظة وصعوبة التحمل.
أَبْقَىٰ: اسم تفضيل من البقاء، أي أدوم زماناً وأطول أمداً وأخلد.
الإعراب والتركيب:
وَكَذَٰلِكَ: الواو استئنافية، والجار والمجرور في محل نصب مفعول مطلق لـ نجزي مقدم.
نَجْزِي: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الياء للثقل، والفاعل مستتر تقديره نحن للتعظيم.
مَنْ: اسم موصول مبني على السكون في محل نصب مفعول به لـ نجزي.
أَسْرَفَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل مستتر، والجملة صلة الموصول.
وَلَمْ: الواو عاطفة، ولم: حرف نفي وجزم وقلب.
يُؤْمِن: فعل مضارع مجزوم بـ لم وعلامة جزمه السكون، والفاعل مستتر.
وَأَبْقَىٰ: معطوف على أشد مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تعميم الحكم وتأكيده بعد قصة المعرض المحشور أعمى؛ ليعلم كل سامع أن هذه سنة الله الماضية في كل مسرف مكذب إلى يوم الدين.
التناسب البلاغي: تصدير الجملة الاسمية بلام الابتداء المؤكدة {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ}؛ لتقرير الحقيقة العظمى التي ينبغي أن تطير لها القلوب وجلاً وخوفاً.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
الإسراف يبدأ بالانغماس في الشهوات ومجاوزة حدود الله، فإذا تمادى العبد في إسرافه استثقل قيود الشريعة وأوامر الدين، فقاده ذلك في النهاية إلى الكفر والتكذيب بآيات ربه.
عطف {وَلَمْ يُؤْمِن} قيد يبين أن العذاب المؤبد الأشد والأبقى إنما يستحقه من جمع بين الإسراف في المعاصي وفقدان أصل الإيمان؛ أما عصاة الموحدين فإن عذابهم له أمد يخرجون بعده بالشفاعة ورحمة أرحم الراحمين.
التوكيد بلام الابتداء في {وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ} لقطع أدنى شك في نفوس المعاندين.
الجمع بين وصفي التفضيل {أَشَدُّ وَأَبْقَىٰ}؛ استيعاباً لكمال الألم في كيفيته وفي مدته الزمنية الأبدية.
التدبر الإشاري: مهما عظمت مصائب الدنيا وآلامها فإنها يسيرة منقطعة؛ والمصيبة الحقيقية التي لا عزاء فيها هي مصيبة الدين وعذاب الآخرة؛ فالعاقل من فر من عذاب الله إلى رحمته.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تحذير الناس من الإسراف بكل صوره؛ إسراف في المعاصي، أو إسراف في المباحات يجر إلى الحرام.