تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 328)جامع البيانالطبري١٨/٣٢٨: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة والسدي أن السحرة لما سمعوا كلام موسى وموعظته، وقع في نفوسهم الخوف والتردد، وقال بعضهم لبعض سراً دون أن يسمعهم فرعون وقومه: ما هذا بكلام ساحر، إنما هذا كلام نبي، فتنازعوا وتشاوروا فيما بينهم هل يقدمون على مبارزته أم يتراجعون، وأسروا هذا التنازع والتشاور خشية بطش فرعون.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 305)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٠٥: يوضح ابن كثير أن كلمات موسى هزت أركان قلوبهم وأوجدت تصدعاً في صفوفهم، فانقسموا بين مصدق يقول: ليس هذا قول ساحر، وبين معاند يقول: بل هو ساحر يريد سلب ملكنا.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 220)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٢٠: بين القرطبي أن النجوى هي الكلام الخفي المسار به، وأسروها لأنهم كانوا في مجلس فرعون وأمام الملأ، فخافوا أن يظهر ترددهم وضعف عزيمتهم أمام سلطانهم.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 257)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٥٧: يشير ابن عاشور إلى أن فاء التعقيب في {فَتَنَازَعُوا} تدل على سرعة التأثير وعمق وقع كلام موسى في نفوسهم، فالنزاع والتنازع وقع فور سماعهم كلماته الجامعة المخلصة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
تَنَازَعُوا: التنازع: الاختلاف في الرأي واضطراب التدبير، وتفاعل هنا تدل على المشاركة بين طوائفهم.
أَمْرَهُم: شأنهم وحالهم وما يجب عليهم فعله إزاء موسى.
أَسَرُّوا: الإسرار: إخفاء الشيء وكتمانه، أو أظهروه فيما بينهم فقط خفية عن سائر الناس.
النَّجْوَىٰ: المسارة بالكلام، مأخوذة من النجوة وهي المكان المرتفع المستور، أو من التناجي وهو التكلم سراً.
الإعراب والتركيب:
فَتَنَازَعُوا: الفاء عاطفة تفيد التعقيب، وتنازعوا فعل ماضٍ مبني على الضم لاتصاله بواو الجماعة، والواو: فاعل.
أَمْرَهُم: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والهاء: مضاف إليه.
بَيْنَهُمْ: ظرف مكان منصوب متعلق بـ تنازعوا، والهاء: مضاف إليه.
وَأَسَرُّوا: الواو عاطفة، وأسروا فعل ماضٍ مبني على الضم، والواو: فاعل.
النَّجْوَىٰ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة المقدرة على الألف للتعذر، أو مصدر منصوب على المفعول المطلق.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد موعظة موسى الزاجرة {وَيْلَكُمْ لَا تَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا}، بين الله سبحانه أثر تلك الموعظة المباشر في صفوف العدو، حيث تفرقت كلمتهم وتزلزل اجتماعهم الذي بناه فرعون بحشد السحرة.
التناسب البلاغي: إسناد التنازع إلى (أمرهم) دلالة على اضطراب القيادة والقرار في معسكر الباطل بمجرد سماع نداء الحق، ثم عطف {وَأَسَرُّوا النَّجْوَىٰ} لإظهار ضعفهم وعجزهم عن المجاهرة بالحيرة أمام الجماهير المحتشدة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يقال تنازعوا وأسروا النجوى ثم في الآية التالية يتفقون على القول: {قَالُوا إِنْ هَٰذَانِ لَسَاحِرَانِ}؟
دفع الشبهة:
النزاع كان ابتداءً في أصل شأن موسى: هل هو ساحر أم نبي؟ فلما احتدم النقاش، تغلب في تلك اللحظة الجناح الموالي لفرعون أو الأشد خوفاً من بطشه، فحسموا أمرهم ظاهرياً لمواجهته.
إسرار النجوى كان في تردد بعضهم واعترافهم بأن ما سمعوه ليس كلام ساحر، ثم تم التوافق على الحيلة السياسية لمواجهة الجماهير وإثارة النعرة الوطنية كما في الآية اللاحقة.
هذا التنازع كشف عن هشاشة البنية العقدية لمعسكر الباطل وتخلخل قناعته قبل أن يبدأ الصراع الحسي.
التعبير بصيغة التفاعل {تَنَازَعُوا} يجسد مشهد التدافع والاضطراب بين فئات السحرة وكبرائهم.
الجناس الاشتقاقي والمناسبة الصوتية بين {تَنَازَعُوا} و{النَّجْوَىٰ}، حيث يعكس الصوت حيرة النفوس وخفوت الأصوات عند اشتداد الخوف.
التدبر الإشاري: الحق له هيبة ترجف منها القلوب المعاندة، والباطل مهما تظاهر بالتماسك ووحدة الصف، فإن بذرة التنازع والشِقاق كامنة في أركانه وتظهر عند أول مواجهة مع الصدق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إدراك أن خطاب الحق يحدث شرخاً في منظومة الباطل حتى لو لم يظهر ذلك فوراً للعيان؛ فالعمل الدعوي المخلص ينخر في قناعات المبطلين ويزلزل ثقتهم بأنفسهم.