فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى
فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة انتقال فرعون إلى التحدي الميداني والمبارزة المفتوحة؛ متوهماً أنه قادر على إبطال معجزات موسى بما يملكه من كيد وسحرة؛ قال الطبري في جامع البيان (18/363)مصدر غير محدد١٨/٣٦٣: «يقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى: فلنأتينك يا موسى بسحر يشبه سحرك فيعلوه ويفضحه، فعيّن بيننا وبينك وقتاً وميعاداً نلتقي فيه، لا نخلفه نحن ولا تخلفه أنت، في مكان منصف عدل مستوٍ يستوي طرفاه في الرؤية والاستواء، لا يغلب فيه أحد على أحد إلا بالبيان والظفر». وقال ابن كثير في تفسيره (5/279)مصدر غير محدد٥/٢٧٩: «{فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ} أي: نعارض ما جئت به بما يدحضه ويبطله من السحر، {فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا} أي يوماً معلوماً نلتقي فيه، {لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ} أي لا يغيب عنه أحد منا، {مَكَانًا سُوًى} قال ابن عباس ومجاهد وقتادة: منصفاً يستوي فيه الجميع؛ وقال قتادة: مكاناً عدلاً بيننا وبينك؛ وقال السدي: مكاناً مستوياً من الأرض تتبين فيه الأشياء للناظرين». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/209)مصدر غير محدد١١/٢٠٩: «قوله {سُوًى} قرئ بضم السين وكسرها، وهما لغتان؛ ومعناه: مكاناً عدلاً ونصفة، أو مستوياً لا يستر أحداً عن أحد، أو وسيطاً بين الفريقين». وقال السعدي في تفسيره (ص 505)مصدر غير محدد٥٠٥: «هذا من كبرياء فرعون وثقته الزائفة بسحرته ومكره؛ طلب موعداً حاسماً ومكاناً مستوياً ليتحدى به موسى، والله تعالى ساقه إلى هذا الموعد ليكون فضيحته الكبرى وسبباً لإيمان سحرته».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا التصعيد الدراماتيكي في الحوار ينقل المشهد من المواجهة الثنائية داخل القصر إلى المنازلة المفتوحة أمام الأمة جمعاء؛ ففرعون الذي شعر بضعف موقفه أمام حجة موسى، أراد أن يستعرض قوته بسحرة دولته ليحقق نصراً إعلامياً وسياسياً ساحقاً يمحو به آثار دعوة موسى. والنظم هنا يبرز كيف يستدرج الله الظالمين من حيث لا يعلمون؛ ففرعون يطلب الموعد بحرصه، ويشترط ألا يخلفه أحد في مكان منصف، ظناً منه أنه يحكم فخ الخصام؛ والقدر الإلهي يدبر له في باطن هذا الطلب مشهد سقوطه الأعظم وإسلام أركان سحره دفعة واحدة!