تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 394)جامع البيانالطبري١٨/٣٩٤: يروي الطبري عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في جواب بني إسرائيل المعاندين لنبي الله هارون حين وعظهم ونهاهم: {قَالُوا لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ}: أي لن نزال ولن نبرح مقيمين على عبادة هذا العجل ملازمين له، لا نتركه ولا نلتفت إلى نهيك، {حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ}: فنسأله عنه، فإن أمرنا بعبادته عبدناه وإن نهانا تركناه، فتمردوا على خليفة موسى وأصروا على الشرك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 330)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٠: يوضح ابن كثير أن هذا الجواب يمثل غاية التمرد والعتو؛ حيث نبذوا نصيحة هارون وظلوا ملازمين لعبادة العجل، وكانوا منقسمين: فرقة كفرت وعبدته، وفرقة اعتزلت مع هارون، فلما رأى هارون غلبتهم وإصرارهم خشي أن يقاتلهم فيقع سيف وبغي بين بني إسرائيل في غيبة موسى.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 284)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٨٤: يبين القرطبي معنى العكوف: وهو الإقامة على الشيء والملازمة له بالتعظيم، واستعمال (لن) المؤبدة مع فعل الاستمرار (نبرح) يدل على شدة عنادهم ورسوخ الفتنة في قلوبهم.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 306)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٠٦: يشير ابن عاشور إلى أن تعليقهم الأمر برجوع موسى كان حيلة تسويفية وتمرداً مقنعاً؛ لإسقاط شرعية قيادة هارون المستخلف عليهم، واستغلال غيبة موسى لتثبيت عبادة الوثن كأمر واقع.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
لَن نَّبْرَحَ: من برح، وهو من أخوات كان الناقصة الناسخة، تفيد الاستمرار وملازمة الخبر للمخبر عنه.
عَاكِفِينَ: العكوف: الملازمة والاحتباس والإقبال على الشيء بمحبة وتعظيم.
الإعراب والتركيب:
قَالُوا: فعل ماضٍ وفاعله.
لَن: حرف نفي ونصب واستقبال.
نَّبْرَحَ: فعل مضارع ناقص ناسخ منصوب بـ لن وعلامة نصبه الفتحة، واسمه ضمير مستتر تقديره نحن.
عَلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ عاكفين.
عَاكِفِينَ: خبر نبرح منصوب وعلامة نصبه الياء لأنه جمع مذكر سالم.
حَتَّىٰ: حرف غاية وجر.
يَرْجِعَ: فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد حتى وعلامة نصبه الفتحة.
إِلَيْنَا: جار ومجرور متعلق بـ يرجع.
مُّوسَىٰ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة المقدرة على الألف للتعذر، والمصدر المؤول في محل جر بـ حتى متعلق بـ عاكفين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تصوير ذروة الاستكبار والتمرد في مواجهة نداء التوحيد الذي صدع به هارون؛ حيث قطعوا الطريق على أي حوار وأعلنوا الإصرار على الوثنية حتى عودة موسى.
التناسب البلاغي: إسناد الفعل الناقص المقترن بـ لن إلى الجمع {لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ} يعكس الصلابة والجمود النفسي والانغلاق الفكري الذي أصابهم بفعل شرب العجل في قلوبهم.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا لم يقاتل هارون عليه السلام هؤلاء العاكفين على العجل بالسيف حتى يردهم عن الشرك؟
دفع الشبهة وبيان الفقه السياسي والدعوي لهارون:
هارون عليه السلام كان في موقف استضعاف عددي؛ إذ انحازت الأكثرية إلى عبادة العجل مع السامري، كما قال في الآية اللاحقة: {إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي}.
خشي هارون أن يؤدي القتال الداخلي إلى فناء بني إسرائيل وتمزقهم قبل وصول نبيهم وإمامهم موسى، فوازن بين مفسدة الشقاق الدموي الداخلي وبين تأخير الحسم ريثما يحضر موسى بحجته وسلطانه، وهذا من كمال الحكمة وفقه الموازنات ودرء أعظم المفسدتين باحتمال أدناهما.
التوكيد بالنفي المؤبد {لَن} للإشعار بالتصميم المطلق على الباطل.
تقديم الجار والمجرور {عَلَيْهِ} على الخبر {عَاكِفِينَ} لبيان شدة انصباب همهم وتعلقهم بهذا العجل الصنم دون غيره.
التدبر الإشاري: إذا تمكنت الفتنة من النفوس استغلقت العقول عن قبول الحق وأصبح المبتدع يدافع عن بدعته باستماتة، فلا يثنيه وعظ ولا يزجره نذير حتى يقع الحسم الإلهي.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الصبر والثبات عند مواجهة عناد المدعوين وتم ردهم؛ فالداعية يؤدي ما عليه ولا يحزن لعناد المعاندين.
فقه الموازنة بين المصالح والمفاسد في إدارة الأزمات الكبرى التي تعصف بالأمة.
الأثر التربوي والإيماني:
التعوذ بالله من الخذلان وقسوة القلوب التي تجعل الإنسان يصر على المنكر والشرك ويتمادى فيه دون حياء من الله.