الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ
الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ
هذه الآية الكريمة من أمهات آيات الصفات، وقد قرر أئمة السلف الصالح وعلماء أهل السنة والجماعة فيها مذهب الإثبات الحق؛ وهو إثبات استواء الله تعالى على عرشه استواءً حقيقياً يليق بجلاله وعظمته وكماله، من غير تشبيه ولا تمثيل، ومن غير تأويل ولا تعطيل؛ بائناً من خلقه، علياً فوق سماواته. قال الإمام مالك بن أنس رحمه الله كلمته الجامعة المشهورة لما سئل عن قوله {الرَّحْمَٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَىٰ} كيف استوى؟ فأطرق مالك حتى علاه الرحضاء (العرق)، ثم قال: «الاستواء غير مجهول، والكيف غير معقول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا رجل سوء»، وأمر به فأُخرج (رواه البيهقي في الأسماء والصفات بسند صحيح). وقال الإمام الطبري في جامع البيان (18/278)مصدر غير محدد١٨/٢٧٨: «علا عليه وارتفع؛ والعرش: أعظم المخلوقات وأعلاها، والله سبحانه وتعالى فوق كل شيء مستوٍ على عرشه استواءً يليق به». وروى ابن كثير في تفسيره (5/267)مصدر غير محدد٥/٢٦٧: «مسلك السلف الصالح في هذا: مالك، والأوزاعي، والثوري، والليث بن سعد، والشافعي، وأحمد، وإسحاق بن راهويه، وغيرهم من أئمة المسلمين قديماً وحديثاً: وهو إمرارها كما جاءت من غير تكييف ولا تشبيه ولا تعطيل، ولا يسبق إلى أذهان المشبهين شيء من سمات المخلوقين؛ فإن الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ}». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/170)مصدر غير محدد١١/١٧٠: «لم ينكر أحد من السلف الصالح أن الله مستوٍ على عرشه حقيقة، وإنما جهلوا كيفية الاستواء؛ إذ لا تُعلم حقيقة الكيفية إلا لله تعالى». وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: «الاستواء في لغة العرب إذا عُدّي بـ (على) لا يحتمل إلا معنى العلو والارتفاع والاستقرار، ولا يعرف في لسان العرب استوى على كذا بمعنى استولى وملك إلا في بيت منحول منسوب للأخطل النصراني لا يحتج به في لغة القرآن».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تتصل هذه الآية بما قبلها اتصال التتويج والكمال لجلال الربوبية؛ فبعد أن أخبر أنه خلق الأرض المنخفضة والسماوات العلى، ترقى في درجات العظمة إلى ما فوق السماوات كلها: العرش العظيم، فأخبر أنه الرحمن المستوي عليه. وهذا الترتيب النظمي يبدأ من عالم الشهادة الأرضي، ثم يرتقي إلى عالم السماوات، ثم يرتفع فوق المخلوقات كلها إلى العرش؛ ليقرر أن الله تعالى فوق كل شيء، محيط بالكل، يدبر الأمر من السماء إلى الأرض، فلا يخرج عن ملكه وسلطانه مثقال ذرة.