تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 364)جامع البيانالطبري١٨/٣٦٤: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة والسدي أن فرعون لما علم بمسير بني إسرائيل خرج في أثرهم بجيش جرار فيه كبرياء مملكته وفرسانه، فلحق بهم عند شروق الشمس وهم على ساحل البحر، فلما رأى الطريق اليبس اقتحمه بجيشه بغياً وعدواناً، فلما تكاملوا في البحر وتكامل بنو إسرائيل خارجين، أمر الله البحر فانطبق عليهم: {فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}: أي غطاهم وغمرهم من ماء البحر وأمواجه الهائلة أمر عظيم لا يحيط به الوصف ولا تعبر عنه الكلمات.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 318)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٨: يبين ابن كثير أن هذا الإبهام في قوله: {مَا غَشِيَهُمْ} هو من أبلغ أساليب التفخيم والتهويل في لغة العرب؛ حيث يوكل الأمر إلى خيال السامع ليتصور هول ذلك العذاب، والغرق المفزع الذي ابتلع الطاغية وجنوده دفعة واحدة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 253)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٥٣: يذكر القرطبي القراءات في {فَأَتْبَعَهُمْ}: قرأ الجمهور بقطع الهمزة وتشديد التاء أو تخفيفها: {فَأَتْبَعَهُمْ} من أتبع، وقرأ بعض الكوفيين: {فَاتَّبَعَهُمْ} بوصل الهمزة وتشديد التاء من اتّبع، والمعنى واحد وهو اللحوق بهم والسير في أثرهم.
تفسير الرازي (مفاتيح الغيب، ج 22، ص 92)مفاتيح الغيبفخر الدين الرازي٢٢/٩٢: يوضح الرازي العدالة الإلهية في مطابقة الجزاء لجنس العمل؛ ففرعون الذي كان يذبح أطفال بني إسرائيل ويلقيهم في اليم، أهلكه الله بنفس الماء الذي كان يلقي فيه المستضعفين، وجعل كبرياءه في قاع البحر.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَتْبَعَهُمْ: أتبع واتبع: لحق بهم وجد في طلبهم وأسرع خلفهم.
غَشِيَهُم: الغشيان: التغطية والستر بالشيء الكثيف من فوقهم.
الْيَمِّ: البحر، وهو لفظ معرب أو لغة في البحر اختص بمواضع الغرق والابتلاء.
الإعراب والتركيب:
فَأَتْبَعَهُمْ: الفاء عاطفة سببية، وأتبع فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء: مفعول به أول.
فِرْعَوْنُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة الظاهرة.
بِجُنُودِهِ: الباء للمصاحبة، وجار ومجرور متعلق بمحذوف حال من فرعون (أو مفعول به ثانٍ إذا عُدّي الفعل بالباء)، والهاء: مضاف إليه.
فَغَشِيَهُم: الفاء عاطفة للتعقيب، وغشي فعل ماضٍ مبني على الفتح، والهاء: مفعول به مقدم.
مِّنَ الْيَمِّ: جار ومجرور متعلق بـ غشي (أو بحال محذوفة).
مَا: اسم موصول مبني في محل رفع فاعل مؤخر لـ غشي.
غَشِيَهُمْ: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر يعود على ما، والهاء: مفعول به، والجملة صلة الموصول لا محل لها من الإعراب.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: سرعة الانتقال من تصوير المطاردة وحشد الجيوش إلى مشهد النهاية المأساوية الحتمية لفرعون وجنوده؛ تماشياً مع وتيرة سورة طه القائمة على الإيجاز البليغ والمفاجأة الخاطفة.
النظم التهويلي: مجيء الموصول وصلته بلفظ الفعل نفسه: {فَغَشِيَهُم مِّنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ}؛ للدلالة على أن الحادثة أعظم من أن توصف بألفاظ محدودة، فالصمت البياني هنا أبلغ من كل وصف تفصيلي.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا أبهم القرآن ما غشيهم ولم يفصله كما فصل في سورة البقرة والأعراف ويونس؟
دفع الشبهة وبيان الإعجاز:
الإبهام في سياق التهويل أبلغ من التفصيل؛ لأن النفس تذهب فيه كل مذهب في تصور هول الغرق وتلاطم الأمواج واختناق الجيوش وغوص فرعون في اليم.
سياق سورة طه مبني على التثبيت الإيجازي والتركيز على العبرة الكلية، وتكرار الفعل والاسم الموصول من أساليب العرب العالية في التعظيم والتهويل، كقول الشاعر: "فكان ما كان مما لست أذكره".