تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 401)جامع البيانالطبري١٨/٤٠١: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن موسى عليه السلام بعد أن سمع عذر هارون وقبله، استدار إلى المجرم الحقيقي وصانع الفتنة، فخاطبه بحزم وصراحة: {قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ}: أي ما شأنك وأمرك العظيم الخطير؟ وما الذي حملك على ما صنعت من فتنة قومي وإضلالهم وصناعة هذا العجل ودعوتهم إلى عبادته؟
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 333)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٣: يوضح ابن كثير أن موسى انتقل إلى محاكمة رأس الفتنة محاكمة علنية أمام الملأ، ليعترف بجريمته بلسانه وتنكشف خبيئة نفسه أمام من فتنهم، وليظهر للجميع تهافت الباطل وبطلان دعواه.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 292)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٩٢: يبين القرطبي أن الخطب هو الأمر الجلل العظيم الشأن الذي تكثر فيه المراجعة، والاستفهام عنه استنطاق للمجرم وإقامة للحجة عليه قبل توقيع العقوبة الصارمة.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 315)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣١٥: يشير ابن عاشور إلى أن التعبير بـ {فَمَا خَطْبُكَ} يدل على أن ما فعله السامري كان خطباً جسيماً وهزة عنيفة للأمة، وجاءت الفاء لترتيب التحقيق مع الجاني بعد تبرئة البريء (هارون).
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
فَمَا: الفاء فصيحة، وما اسم استفهام.
خَطْبُكَ: الخطب: الشأن العظيم والحادث الجلل الذي يقع فيه الكلام والجدل.
سَامِرِيُّ: اسم علم لرأس الفتنة منسوب إلى قبيلته أو بلده.
الإعراب والتركيب:
قَالَ: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر تقديره موسى.
فَمَا: الفاء عاطفة فصيحة، وما اسم استفهام مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
خَطْبُكَ: خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والكاف: ضمير متصل في محل جر مضاف إليه.
يَا: حرف نداء مبني على السكون.
سَامِرِيُّ: منادى مفرد علم مبني على الضم في محل نصب دون تنوين.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: الانتقال المنطقي الحاسم من مساءلة الشريك في القيادة إلى استجواب الجاني الأصلي؛ لوضع النقاط على الحروف وكشف ملابسات المؤامرة الشيطانية.
التناسب البلاغي: إيجاز السؤال {فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ} بكلمات معدودة تحمل في طياتها رعب المحاكمة وقوة الموقف النبوي المهيب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا لم يبادر موسى بقتل السامري فوراً على ردته وصناعته للعجل؟
دفع الشبهة وبيان العدالة الإلهية:
الاستنطاق وإقامة الحجة وسماع الاعتراف منهج شرعي وقضائي نبوي؛ حتى لا يبقى لأحد عذر أو شك في استحقاقه للعقوبة.
العقوبة التي أنزلها الله بالسامري وهي النبذ التام في الدنيا وعذاب جهنم المقيم كانت أشد نكاية وأعظم عبرة للأمة من مجرد القتل الخاطف، كما سيأتي بيانه.
التعبير بلفظ {خَطْبُكَ} لتهويل الجريمة وإشعار السامع بفظاعتها وخروجها عن المألوف.
استخدام النداء باسمه العلم المجرد دون أي لقب احتقاراً لشأنه وإسقاطاً لهيبته.
التدبر الإشاري: مهما توارى المفسدون وتستروا خلف دعاوى الورع البارد وحيل المكر، فإن ساعة المواجهة بالحق آتية لا محالة، وسيقفون صاغرين أمام ميزان العدالة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
الحكمة في استجواب الخصوم وفضح أهدافهم الخفية أمام الجماهير لإزالة الغشاوة عن الأعين المخدوعة.
الفصل الدقيق بين المخطئ المتأول (هارون في اجتهاده) وبين المفسد الخبيث المتآمر (السامري).
الأثر التربوي والإيماني:
هيبة الحق وسلطانه على نفوس المبطلين؛ فالسامري الجبار الذي فتن أمة تضاءل وانكسر أمام كلمة موسى الواحدة.