تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 366)جامع البيانالطبري١٨/٣٦٦: يروي الطبري عن قتادة ومجاهد أن الله تعالى كذب دعوى فرعون التي كان يتبجح بها على قومه حين قال في سورة غافر: {مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَىٰ وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}، فرد الله عليه بقوله الحاسم: {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَىٰ}: أي أوردهم موارد الهلاك والضلال في دينهم في الدنيا، وأوردهم النار يوم القيامة، وما هداهم إلى رشد ولا نجاة بوجه من الوجوه.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 319)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٩: يبين ابن كثير أن هذا تذييل إلهي قاطع يكشف حقيقة القيادة الفاسدة المستبدة؛ ففرعون قاد قومه إلى الكفر في الحياة، وقادهم إلى الغرق في اليم، ويقودهم يوم القيامة إلى النار وبئس الورد المورود، فهو إمام الضلال ورائد الخسران.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 255)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٥٥: يوضح القرطبي أن قوله: {وَمَا هَدَىٰ} تأكيد بعد قوله {وَأَضَلَّ} لنفي أي شبهة هداية أو مصلحة قد يظن المغفلون أنه حققها لهم في دنياهم أو في تنظيم مملكهم؛ فالضلال استغرق كل شأنهم.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 283)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٨٣: يحلل ابن عاشور الجمع بين الإثبات والنفي؛ فالإضلال إثبات لجريرته الإيجابية في إغوائهم، ونفي الهداية سلب لكل توهم بنفعه لهم، وجاءت الفاصلة {وَمَا هَدَىٰ} لتقابل مزاعمه السابقة بالبطلان المطلق.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
أَضَلَّ: الإضلال: الصرف عن طريق الحق والرشاد وإيقاع الغير في الغي والتيه والهلاك.
وَمَا هَدَىٰ: نفي الهداية، والهداية هي الدلالة بلطف إلى ما فيه الخير والفلاح.
الإعراب والتركيب:
وَأَضَلَّ: الواو استئنافية تذييلية، وأضلّ فعل ماضٍ مبني على الفتح.
فِرْعَوْنُ: فاعل مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
قَوْمَهُ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والهاء: مضاف إليه.
وَمَا: الواو عاطفة، وما: نافية لا عمل لها.
هَدَىٰ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو، ومفعوله محذوف تقديره (وما هداهم إلى خير)، والجملة معطوفة على ما قبلها.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد تصوير مشهد الغرق ومحو الطاغية وجنوده، جاء هذا التعقيب القرآني الحاسم لتقييم تجربة فرعون القيادية وإبطال دعايته السياسية الزائفة.
المقابلة الإعجازية: رد مباشر وفاضح لقول فرعون: {وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ}؛ فبين القرآن أنه لم يكتف بعدم هدايتهم، بل أضلهم إضلالاً محيطاً قادهم إلى الغرق والخلود في سقر.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: ما الفائدة البلاغية من قوله: {وَمَا هَدَىٰ} بعد قوله {وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ}؟ أليس الضلال يستلزم عدم الهداية؟
دفع الشبهة وتجلي البلاغة:
نفي الهداية بعد إثبات الإضلال نفي لأي نفع جزئي؛ فقد يضل القائد قومه في الدين لكنه يهديهم إلى نصر عسكري أو رخاء دنيوي، فنفى القرآن عنه الهداية مطلقاً؛ فلا هو هداهم في دينهم، ولا هو حفظ دماءهم ودنياهم، بل أهلكهم جميعاً.
هذا الأسلوب معروف في لغة العرب لتأكيد استغراق المعنى ونفي أدنى شائبة للخلاف، كما يقال: "ضل فما اهتدى، وعمي فما أبصر".
الطباق المعنوي والتأكيدي بين {أَضَلَّ} و{مَا هَدَىٰ}.
حذف مفعول {هَدَىٰ} للتعميم، أي ما هداهم إلى أي نوع من أنواع الهداية الدينية أو الدنيوية أو الأخروية.
التدبر الإشاري: الشعوب التي تستخف بها القيادات المستبدة فتطيعها بغير وعي، توردها تلك القيادات موارد الهلاك؛ فالتبعية العمياء للضالين تورث الخزي المشترك في الدنيا والآخرة.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تحذير الجماهير من الانخداع بشعارات الزعامات الباطلة التي تدعي هداية الشعوب والنهوض بها وهي تمارس الاستبداد وتصد عن شرع الله.
إبراز مسؤولية القادة والمتبوعين عن ضلال أتباعهم يوم القيامة.
الأثر التربوي والإيماني:
البصيرة في اختيار القدوة والأئمة؛ فالمؤمن لا يقوده إلا من يستضيء بنور الوحي ويهدي بأمر الله: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا}.