تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 356)جامع البيانالطبري١٨/٣٥٦: يروي الطبري بإسناده عن أبي سعيد الخدري وابن عباس في قوله تعالى: {إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ}: أي من وافى ربه يوم القيامة كافراً مشركاً متحملاً لأوزار الإجرام، فإن جزاءه نار جهنم، لا يموت فيها فيستريح من ألم العذاب، ولا يحيا حياة تنفعه أو يهنأ بها، بل هو في عذاب سرمدي دائم متجدد.
الحديث النبوي الصحيح في المسألة: أخرج الإمام مسلم في صحيحه (حديث رقم 185)مصدر غير محددحديث رقم ١٨٥ من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أَمَّا أَهْلُ النَّارِ الَّذِينَ هُمْ أَهْلُهَا، فَإِنَّهُمْ لَا يَمُوتُونَ فِيهَا وَلَا يَحْيَوْنَ، وَلَكِنْ نَاسٌ أَصَابَتْهُمْ النَّارُ بِذُنُوبِهِمْ -أَوْ قَالَ بِخَطَايَاهُمْ- فَأَمَاتَهُمْ إِمَاتَةً، حَتَّى إِذَا كَانُوا فَحْمًا أُذِنَ بِالشَّفَاعَةِ".
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 316)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣١٦: يوضح ابن كثير أن هذه الآية وما بعدها إما أن تكون حكاية لبقية كلام السحرة لفرعون وقومه تذكيراً بالمعاد، أو هي استئناف كلام من الله تعالى يقرر فيه مصير الخلق في الآخرة، ومصير المجرمين الخلود الأبدي في الجحيم.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 245)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٤٥: يذكر القرطبي أن نفي الموت والحياة هو وصف لأشد حالات العذاب النفسي والجسدي؛ فالموت مستحيل لوجود الخلود، والحياة الكريمة معدومة؛ لأنها حياة شقاء وعذاب، كما قال تعالى: {وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُم مَّاكِثُونَ}.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
مُجْرِمًا: الإجرام: ارتكاب الذنب العظيم، وأصله في اللغة القطع، والمجرم هو الذي قطع ما أمر الله به أن يوصل وأشرك بالله واعتدى.
جَهَنَّمَ: اسم لدار العذاب، قيل مشتق من الجهومة وهي الغلظة والظلمة والفظاعة.
وَلَا يَحْيَىٰ: نفي الحياة الطيبة الهنيئة التي ينتفع بها الحي.
الإعراب والتركيب:
إِنَّهُ: إنّ حرف توكيد ونصب، والهاء: ضمير الشأن مبني في محل نصب اسمها.
مَن: اسم شرط جازم مبني على السكون في محل رفع مبتدأ.
يَأْتِ: فعل مضارع فعل الشرط مجزوم بحذف حرف العلة (الياء)، والفاعل مستتر تقديره هو.
رَبَّهُ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة، والهاء: مضاف إليه.
مُجْرِمًا: حال منصوبة وعلامة نصبها الفتحة.
فَإِنَّ: الفاء رابطة لجواب الشرط، وإنّ حرف توكيد ونصب.
لَهُ: جار ومجرور خبر مقدم لـ إنّ.
جَهَنَّمَ: اسم إنّ مؤخر منصوب وعلامة نصبه الفتحة ومنع من الصرف للعلمية والتأنيث.
لَا: نافية لا عمل لها.
يَمُوتُ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل مستتر تقديره هو.
فِيهَا: جار ومجرور متعلق بـ يموت.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: نافية.
يَحْيَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر، والجملة في محل نصب حال من الضمير في جهنم أو مستأنفة، وجملة جواب الشرط في محل جزم، وخبر المبتدأ من هو جملتا الشرط والجواب معاً.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد تصوير مشهد النزال الدنيوي وثبات المؤمنين، جاء تقرير المصير الأخروي في هذا القانون الإلهي الصارم الذي لا يحابي أحداً، ليقارن بين عذاب فرعون الزائل وعذاب جهنم المقيم.
التناسب البلاغي: الربط بين الإجرام وبين جهنم بفاء الجزاء المعقبة، ثم وصف العذاب بالجملة المركبة من نفيين متقابلين: {لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَىٰ} لتصوير المعاناة المطلقة التي لا تنتهي إلى راحة الموت ولا ترقى إلى معنى الحياة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يجمع بين نفي الموت ونفي الحياة مع أنهما نقيضان لا يجتمعان ولا يرتفعان عقلاً؟
دفع الشبهة وبيان الإعجاز:
النفي هنا منصب على حقيقة كل منهما ومقصده؛ فالمنفي في الموت هو (الموت المستريح المنهي للآلام)، والمنفي في الحياة هو (الحياة الطيبة الكريمة الهانئة).
هذه الحالة تمثل برزخاً من العذاب المستمر حيث يتمنى أهله الموت فلا يجدونه، ويذوقون سكرات الهلاك دون أن تفارق أرواحهم أجسادهم، كما قال سبحانه: {وَيَأْتِيهِ الْمَوْتُ مِن كُلِّ مَكَانٍ وَمَا هُوَ بِمَيِّتٍ}.