تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 449)جامع البيانالطبري١٨/٤٤٩: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن الله تبارك وتعالى بين لآدم عليه السلام كمال ما أفيض عليه في الجنة من النعيم التام والراحة المطلقة، فقال له مؤمناً له حاجات الجسد الضرورية: {إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا}: أي ضَمِنَ الله له في الجنة ألا يذوق ألم الجوع أبداً؛ لأن طعامها مبذول ورزقها دائم، {وَلَا تَعْرَىٰ}: ولا يصيبك هوان العري؛ لأن لك فيها من اللباس والحلل ما يستر بدنك ويزينك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 349)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٩: يوضح ابن كثير سر الاقتران البديع في هذه الآية بين نفي الجوع ونفي العري؛ فالجوع ذل الباطن وخلو الجوف من القوت، والعري ذل الظاهر وانكشاف الجسد عن الستر، فنفى الله عنه ألم الباطن بالجوع ومهانة الظاهر بالعري.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 339)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٣٩: يبين القرطبي أن الآيتين (118 و119) جمعتا أصول الحاجات الإنسانية الأربع التي لا قوام للحياة البشرية إلا بها؛ وهي: الطعام (نفي الجوع)، واللباس (نفي العري)، والشراب (نفي الظمأ)، والمسكن والظل (نفي الضحى)، وكان آدم مكفياً كل هذه الأصول في الجنة بغير ثمن ولا كد.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 354)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٥٤: يحلل ابن عاشور المناسبة العظيمة لهذا الوعد؛ فبين أن الله ذكر لآدم هذه النعم ليقيس ما هو فيه من الرغد المطلق بما ينتظره من الشقاء الأرضي إن أطاع إبليس، ليكون ذلك أبلغ في التحذير من مغادرة الجنة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
تَجُوعَ: الجوع: خلو المعدة من الطعام مع اشتهاء الأكل وألمه.
تَعْرَىٰ: العري: زوال الساتر عن البدن وانكشاف العورة.
الإعراب والتركيب:
إِنَّ: حرف توكيد ونصب.
لَكَ: جار ومجرور خبر مقدم لـ إنّ.
أَلَّا: أنْ حرف مصدري ونصب، ولا: نافية لا عمل لها.
تَجُوعَ: فعل مضارع منصوب بـ أن وعلامة نصبه الفتحة، والفاعل مستتر تقديره أنت، والمصدر المؤول في محل نصب اسم إنّ مؤخر.
فِيهَا: جار ومجرور متعلق بـ تجوع.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: لتوكيد النفي.
تَعْرَىٰ: فعل مضارع منصوب معطوف على تجوع بفتحة مقدرة على الألف للتعذر، والفاعل مستتر.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تفصيل وتوضيح لقوله في الآية السابقة: {فَتَشْقَىٰ}؛ فبين له النعيم الذي يفقده بالخروج؛ وهو الكفاية التامة من مؤنة الطعام واللباس في هذه الآية، والشراب والسكن في الآية التالية.
شبهة: لماذا جاء نفي الجوع مع نفي العري، ونفي الظمأ مع نفي الضحى في الآية التالية، ولم يقرن الجوع بالظمأ واللباس بالمسكن كما هو مألوف؟
دفع الشبهة وسر البلاغة النبوية:
أئمة البيان (كالجرجاني والزمخشري والرازي) بينوا أن في هذا الجمع غاية الإعجاز والمطابقة؛ فالجوع خلو الباطن والعري خلو الظاهر فقرنا معاً كتقابل الباطن بالظاهر.
والظمأ حرارة الباطن باشتهاء الماء والضحى حرارة الظاهر بحرارة الشمس فقرنا معاً في الآية التالية كتقابل الحرارة الباطنة بالحرارة الظاهرة، وهذا أرقى مراتب التقسيم المتقابل في لغة العرب.
الحصر والتوكيد بـ (إنّ) لتقرير الأمان الاقتصادي والمعيشي التام لآدم في الجنة.
المقابلة اللطيفة بين ستر البدن بالغذاء الداخلي وستره بالكسوة الخارجية.
التدبر الإشاري: الستر لباس رباني يفيضه الله على أوليائه؛ فالعري مهانة ونقص تأباه الفطرة السليمة، وأول كرامة أنعم الله بها على آدم في الجنة هي كرامة الكسوة ونفي العري.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إبراز قيمة الحشمة والستر في الإسلام وأنهما أصل فطري عريق صاحب البشرية منذ بدء خلقها في الجنة.
تذكير الناس بنعم الله في كفايتهم من الجوع والعري ودعوتهم إلى شكر المنعم.
الأثر التربوي والإيماني:
استشعار كرم الله وفضله؛ فما أنعم الله به على آدم في الجنة يناله المؤمنون أضعافاً مضاعفة في جنات الخلد، ويهون في سبيل ذلك كل كد دنيوي.