وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ
وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ
يسجل الله سبحانه وتعالى في هذه الآية الكريمة الموقف النهائي لفرعون بعد أن قامت عليه الحجج العقلية والمعجزات الحسية؛ مسجلاً كفره وعناده واستكباره؛ قال الطبري في جامع البيان (18/361)مصدر غير محدد١٨/٣٦١: «يقول تعالى ذكره: ولقد أرينا فرعون أدلتنا وحججنا ومعجزاتنا كلها التي أيدنا بها موسى؛ من العصا، واليد البيضاء، والطوفان، والجراد، والقمل، والضفادع، والدم، ونقص الثمرات؛ فكذب بالحق الذي جاءه من عند الله، وأبى أن يوحد الله ويقر بربوبيته ويطلق بني إسرائيل». وقال ابن كثير في تفسيره (5/279)مصدر غير محدد٥/٢٧٩: «{وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا} يعني فرعون؛ أقام الله عليه الحجج والبراهين والآيات القاطعة على يدي موسى، فعاينها وشاهدها رأي عين، {فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ} أي كذب بها وجحدها في قلبه وبلسانه، وأبى عن اتباع الحق والانقياد له، كما قال تعالى: {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا}». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/208)مصدر غير محدد١١/٢٠٨: «{كُلَّهَا} تأكيد؛ والمراد الآيات التسع التي آتاها الله موسى؛ وقيل: الآيات الدالة على التوحيد في الآفاق والأنفس؛ فجمع بين التكذيب الخبري والإباء العملي». وقال السعدي في تفسيره (ص 505)مصدر غير محدد٥٠٥: «هذا غاية العناد والظلم؛ أراه الله الآيات الكبرى كلها التي لا تبقي لأحد عذراً ولا شكاً، فما كان جوابه إلا التكذيب بالخبر، والإباء عن امتثال الأمر، استكباراً وعتواً».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): تأتي هذه الآية الفاصلة لتغلق مرحلة الحوار والمناظرة الفكرية المباشرة في قصر فرعون؛ فبعد أن استعرض موسى برهان الخلق والهداية، ونزه ربه عن الضلال والنسيان، وعدد نعم الأرض والسبل والماء والنبات وأطوار الإنسان، جاء هذا الحكم الإلهي الحاسم ليقرر أن فرعون لم يكن يبحث عن حقيقة، بل حسم أمره على الكفر المسبق. والنظم هنا يمهد للمرحلة التالية: مرحلة الصراع المفتوح والمكيدة؛ فما دام البرهان لم يجد نفعاً مع هذا المستكبر، فإن سنة الله تقتضي استدراجه إلى الميدان العام لفضحه أمام الجماهير في يوم الزينة.