تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 455)جامع البيانالطبري١٨/٤٥٥: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة والحسن أن آدم وحواء لما غرهما إبليس وقاسمهما بالله، أكلا من تلك الشجرة المنهي عنها، فما هو إلا أن استقر الأكل في جوفهما حتى سقط عنهما لباسهما النوراني وتجردت أبدانهما، {فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا}: فظهرت وانكشفت لهما عوراتهما وما يستحيا من كشفه، واستحيا كل واحد منهما من الآخر، {وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ}: أي أخذا يرقعان ويلزقان ورقة فوق ورقة من ورق التين في الجنة ليستر كل منهما عورته من شدة الحياء، {وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}: أي خالف أمر ربه بأكله من الشجرة، فضل عن مطلوبه من الخلود وخاب مسعاه في البقاء في الجنة.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 351)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥١: يوضح ابن كثير سرعة العقوبة المادية والنفسية؛ حيث كان اللباس نعمة وستراً، فلما وقعت المعصية سُلب اللباس فوراً جزاءً وفاقاً، وفطرتهما السليمة دفعتهما فوراً إلى المسارعة لستر العورة بورق الشجر، مما يثبت أن الحياء من انكشاف العورة غريزة فطرية أصيلة.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 345)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٤٥: يذكر القرطبي القراءات في {يَخْصِفَانِ}: قرأ الجمهور بفتح الياء وتشديد الخاء والصاد: {يَخَصِّفَانِ} أصله يختصفان فأدغمت التاء في الصاد، وقرأ حمزة والكسائي وعاصم: {يَخْصِفَانِ} بفتح الياء وسكون الخاء وتخفيف الصاد من خصف يخصف، والخصف: ضم الشيء إلى الشيء وإلصاقه به كخصف النعل.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 360)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٦٠: يحلل ابن عاشور قوله {فَغَوَىٰ}؛ فبين أن الغواية هنا هي خيبة الأمل وعدم الظفر بالمطلوب؛ يقال: غوى الفصيل إذا لم يظفر بلبن أمه حتى مات، فآدم أكل يطلب الخلود والملك، فكانت النتيجة زوال اللباس والخروج من الجنة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
سَوْآتُهُمَا: جمع سوأة، وهي العورة، وسميت سوأة لأن انكشافها يسوء صاحبها ويحزنه.
طَفِقَا: من أفعال الشروع من أخوات كاد، يفيد البدء الفوري في الفعل والاستمرار فيه.
يَخْصِفَانِ: الخصف: ضم الأوراق بعضها إلى بعض وترقيعها لستر العورة.
فَغَوَىٰ: الغي: نقيض الرشد، أو خيبة المقصد وفوات المرام.
الإعراب والتركيب:
فَأَكَلَا: الفاء عاطفة سببية، وأكلا فعل ماضٍ مبني على الفتح، والألف فاعل يعود على آدم وحواء.
التناسب البلاغي: نسبة الأكل والخصف إليهما معاً بالتثنية {فَأَكَلَا... لَهُمَا... وَطَفِقَا}، ثم تخصيص آدم وحده بالعصيان والغواية في خاتمة الآية: {وَعَصَىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَىٰ}؛ لأنه كان المخاطب الأول بالنهي والمكلف برعاية العهد أصالة.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُطلق القرآن على نبي الله آدم لفظ {وَعَصَىٰ... فَغَوَىٰ} مع القول بعصمة الأنبياء؟
دفع الشبهة وفق عقيدة أهل السنة والجماعة:
أهل السنة والجماعة يقررون أن الأنبياء معصومون من الكبائر والمعاصي المخلة بالشرف والرسالة، ويجوز عليهم الصغائر التي لا خسة فيها أو ما يقع على سبيل التأويل والنسيان والخطأ، بشرط ألا يُقَرّوا عليها بل ينبهون عليها ويتوبون منها فوراً، فيصير حالهم بعد التوبة أعظم من حالهم قبلها.
العصيان هنا سمي عصياناً لعظم مقام آدم عند ربه؛ فـ "حسنات الأبرار سيئات المقربين"، والغواية هنا هي فوات المرام والخيبة عما أمله من الخلود بتأويله الفاسد لكلام إبليس.
توبة الله عليه واجتباؤه له في الآية التالية رد حاسم على من يتخذ هذا اللفظ ذريعة للطعن في مقام النبوة الشريف.
التعبير بـ {طَفِقَا} الدال على سرعة الشروع والهلع والاضطراب لستر العورات.
تسمية العورة بـ {سَوْآتُهُمَا}؛ إشارة بلاغية وفطرية إلى أن انكشاف العورة يسوء الفطرة السوية ويوحش النفس.
التدبر الإشاري: المعصية شؤم يعري الإنسان من ثياب النور والكرامة؛ فأول أثر للمعصية في الكون كان زوال اللباس وانكشاف السوءات؛ فكل دعوة للعري والتهتك في العالم هي امتداد لمؤامرة إبليس الأولى على بني آدم.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):