تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 408)جامع البيانالطبري١٨/٤٠٨: يروي الطبري عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن موسى عليه السلام بعد أن نسف العجل وطهر الأرض من رجسه، توجه إلى بني إسرائيل معلناً الكلمة الخالدة وحقيقة التوحيد الكبرى: {إِنَّمَا إِلَٰهُكُمُ اللَّهُ}: أي ليس هذا العجل الذهب ولا غيره إلهاً لكم، بل معبودكم الحق الوحيد الذي لا يستحق الألوهية والعبادة سواه هو الله، {الَّذِي لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}: لا معبود بحق في الوجود إلا هو، {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}: أحاط علمه بكل المخلوقات دقيقها وجليلها، ما كان وما يكون وما لم يكن لو كان كيف يكون، فلا يخفى عليه خافية.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 335)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٣٥: يبين ابن كثير أن موسى ختم هذه المعركة العقدية بتقرير أصل الأصول؛ التوحيد الخالص لله وتنزيهه عن الشريك، وإثبات صفة العلم المحيط بكل شيء؛ مقابلة لجهل العجل وعجزه التام.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 300)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٠٠: يوضح القرطبي أن الحصر بـ {إِنَّمَا} حصر قاطع يبطل كل ألوهية مدعاة في الأرض والسماء، وأن قوله: {عِلْمًا} تمييز محول عن الفاعل، أي وسع علمه كل شيء، وهو برهان على استحقاقه وحده للعبادة؛ لأن من أحاط بكل شيء علماً وقدرة هو الجدير بالخضوع والتعظيم دون الجمادات الخرساء.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 512)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥١٢: يشير السعدي إلى أن سعة علم الله تستلزم كمال حكمته وقهره وتدبيره؛ فالمؤمن إذا علم أن ربه محيط بكل شيء علماً استشعر خشيته وراقب باطنه وظاهره، واستحيا أن يشرك به شيئاً من خلقه.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
إِنَّمَا: أداة حصر وقصر مركبة من إنّ وما الكافة.
إِلَٰهُكُمُ: الإله: المعبود بحق ومحبة وتعظيم.
وَسِعَ: السعة: نقيض الضيق، ووسع الشيء: أحاط به واستغرقه حتى لم يخرج منه شيء.
عِلْمًا: العلم: الإدراك الجازم المطابق للواقع، وهو هنا تمييز مبين لوجه السعة.
اللَّهُ: لفظ الجلالة خبر المبتدأ مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
الَّذِي: اسم موصول مبني في محل رفع نعت للفظ الجلالة (أو خبر ثانٍ).
لَا: نافية للجنس تعمل عمل إنّ.
إِلَٰهَ: اسم لا مبني على الفتح في محل نصب، وخبرها محذوف تقديره (بحق).
إِلَّا: أداة حصر واستثناء ملغاة.
هُوَ: ضمير منفصل في محل رفع بدل من محل اسم لا (أو من الضمير المستكن في الخبر المحذوف)، والجملة صلة الموصول.
وَسِعَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو يعود على الله.
كُلَّ: مفعول به منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
شَيْءٍ: مضاف إليه مجرور وعلامة جره الكسرة.
عِلْمًا: تمييز منصوب وعلامة نصبه الفتحة محول عن الفاعل (أي وسع علمه كل شيء)، والجملة في محل رفع خبر ثانٍ أو مستأنفة.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بعد محو الوثن ونسفه في البحر، أعلن كليم الله الراية الصافية للتوحيد، وأرجع الأمة إلى أصل فطرتها ونور عقيدتها.
التناسب البلاغي: إحكام الحصر بـ {إِنَّمَا} وقصر الألوهية بكلمة الإخلاص {لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ}، ثم تعليل هذا الاستحقاق بالإحاطة العلمية التامة {وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يكون سعة العلم برهاناً على حصر الألوهية بالله وحده؟
دفع الشبهة وبيان الترابط العقلي:
الإله المعبود هو الذي يتجه إليه العباد بالدعاء في السر والعلن، فيجب أن يسمع دعاءهم ويعلم حاجاتهم ومثقال الذرة في نفوسهم؛ فإذا عجز عن العلم المحيط سقطت ألوهيته حتماً كما عجز العجل الصامت.
سعة العلم تستلزم الحياة والقيومية والقدرة والحكمة والعدل؛ فالذي يعلم كل شيء يدبر كل شيء بحكمة وقسطاس مستقيم، فلا إله إلا هو.