تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 468)جامع البيانالطبري١٨/٤٦٨: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في جواب الله تبارك وتعالى على هذا المعرض المحشور أعمى: {قَالَ كَذَٰلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا}: أي كذلك جاءتك في الدنيا حججنا الواضحة وبراهيننا القاطعة وكتابنا المبين، فأعرضت عنها وتركتها وأهملت العمل بها وتناسيتها كأنك لم ترها ولم تسمع بها، {وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ}: ومثل ذلك الترك والإهمال الذي قابلت به آياتنا، تُترك اليوم في العذاب الأليم وتُنسى في جهنم منسياً مهملاً لا يُرحم بكاؤك ولا يُلتفت إلى شكواك.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 355)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٥: يبين ابن كثير أن الجزاء من جنس العمل وفاقاً وعدلاً؛ فكما تعامى عن آيات الله ولم يرفع بها رأساً وتناساها في الدنيا، عومل في الآخرة معاملة المنسي المتروك في النكال، كما قال تعالى: {فَالْيَوْمَ نَنسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَٰذَا}.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 356)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٥٦: يوضح القرطبي أن النسيان المنسوب إلى الله تعالى هنا: {تُنسَىٰ} هو بمعنى الترك في العذاب والإهمال؛ لأن النسيان الذي هو ذهول القلب مستحيل في حق الله تعالى بنص قوله في السورة نفسها: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ}.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 515)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥١٥: يذكر السعدي أن هذا الجواب يقطع كل عذر ويسكت كل حجة؛ فالعبد هو الذي جنى على نفسه بإهماله لآيات ربه وإعراضه عنها، فاستحق الترك والعمى والنكال الأبدي.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
كَذَٰلِكَ: الكاف حرف تشبيه، وذا اسم إشارة، واللام للبعد والكاف للخطاب.
فَنَسِيتَهَا: النسيان هنا بمعنى الترك والإعراض العمدي، وليس ذهول الذاكرة المعذور به الإنسان.
تُنسَىٰ: النسيان من الله: الترك في العذاب مع الحرمان من الرحمة والفضل.
الإعراب والتركيب:
قَالَ: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر تقديره الله تعالى.
كَذَٰلِكَ: جار ومجرور في محل نصب مفعول مطلق لفعل محذوف، أو خبر لمبتدأ محذوف تقديره (الأمر كذلك).
أَتَتْكَ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف المحذوفة، والتاء للتأنيث، والكاف مفعول به مقدم.
وَكَذَٰلِكَ: الواو عاطفة، وجار ومجرور متعلق بـ تنسى (أو مفعول مطلق).
الْيَوْمَ: ظرف زمان منصوب متعلق بـ تنسى.
تُنسَىٰ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر، ونائب الفاعل ضمير مستتر تقديره أنت.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: الحسم الإلهي للجدل؛ جواب صاعق بالعدل القاطع يخرس لسان المعرض ويبين له أن ما نزل به من العمى والخذلان إنما هو النتيجة الطبيعية لصنيعه في الدنيا.
التناسب البلاغي: المقابلة التامة بين {فَنَسِيتَهَا} وبين {تُنسَىٰ}؛ فالمقابلة بالفعل والجزاء من جنس العمل، واستعمال {كَذَٰلِكَ} في الموضعين لتقرير كمال المطابقة بين الذنب والعقاب.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة كلامية: كيف يقول هنا: {وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ} وقد قال في الآية (52) من نفس السورة: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ}؟
دفع الشبهة وفق أصول لغة القرآن ومنهج أهل السنة:
النسيان في لغة العرب يطلق على معنيين:
المعنى الأول: ذهول القلب عن الشيء بعد علمه، وهو صفة نقص وغفلة منزه الله عنها تنزيهاً مطلقاً، وهو المنفي في قوله: {لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَىٰ}.
المعنى الثاني: الترك والإهمال عن علم وعمد وقصد، كقولك: تركت فلاناً فنسيته؛ أي أهملته ولم ألتفت إليه، وهو المثبت في قوله: {وَكَذَٰلِكَ الْيَوْمَ تُنسَىٰ}؛ أي تترك في نار جهنم مهملاً لا يلتفت إليك ولا تنالك رحمة.
هذا من أسلوب المشاكلة البلاغية؛ فسمى جزاء نسيانهم لآيات الله نسياناً مشاكلة في اللفظ وتأكيداً لعدالة الجزاء.
المشاكلة اللفظية البديعة بين {فَنَسِيتَهَا} و{تُنسَىٰ}.
إضافة الآيات إلى ضمير العظمة {آيَاتُنَا} لبيان عظم الجريمة؛ فالإعراض لم يكن عن كلام بشر بل عن آيات رب العالمين العظيمة.
التدبر الإشاري: من ذكر الله في رخائه ذكره الله في شدته؛ ومن أقبل على كتاب الله بالتعظيم والعمل أقبل الله عليه برحمته ورضوانه يوم ينسى الظالمون في العذاب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
التحذير من التساهل في التعامل مع نصوص القرآن والتهاون في تعلمها والعمل بها.
إبراز العدالة الإلهية المطلقة التي لا تظلم أحداً؛ فكل ما يلقاه العبد في الآخرة هو ثمرة ما غرسته يداه في الدنيا.
الأثر التربوي والإيماني:
الإقبال الصادق على كتاب الله حفظاً وتلاوة وتدبراً وعملاً، وسؤال الله ألا يجعلنا من المنسيين في عذابه يوم لقائه.