تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 460)جامع البيانالطبري١٨/٤٦٠: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في أمر الله تعالى لآدم وحواء وإبليس بالهبوط إلى الأرض: {قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا}: الهبوط هو النزول والانتقال من علو إلى سفل؛ وخاطب بالتثنية آدم وحواء ودخل معهما إبليس والحية بقرينة قوله: {جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ}، أي عدواً بين ذرية آدم وإبليس وذريته في دار الأرض، {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى}: أي فإن جاءكم من عندي كتاب ورسل يدلونكم على طاعتي وتوحيدي، {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ}: قال ابن عباس رضي الله عنهما: "تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنِ اتَّبَعَ الْقُرْآنَ أَلَّا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ"، ثم قرأ هذه الآية.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 353)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٥٣: يبين ابن كثير عظمة هذا الميثاق الإلهي؛ فالأرض صارت دار ابتلاء وامتحان وصراع بين معسكر الإيمان ومعسكر الشيطان، والضمانة الربانية الوحيدة للنجاة من الضلال الفكري والشقاء النفسي والأخروي هي اتباع وحي الله وهديه المننزل على رسله.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 350)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٥٠: يوضح القرطبي أن الجمع بين نفي الضلال ونفي الشقاء {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} هو كمال السعادة في الدارين؛ فنفى عنه الضلال في عقيدته وعقله وسلوكه في الدنيا، ونفى عنه الشقاء بالعذاب والحرمان في الآخرة.
تفسير السعدي (تيسير الكريم الرحمن، ص 514)تيسير الكريم الرحمنعبد الرحمن السعدي٥١٤: يذكر السعدي أن اتباع هدى الله يثمر للعبد الهدى في الدنيا والفلاح والأمن التام والسعادة في الآخرة، فمن استمسك بالوحي عاش مطمئن البال منشرح الصدر مأمون العاقبة.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
اهْبِطَا: الهبوط: النزول والانحدار من مكان مرتفع إلى أسفل منه.
جَمِيعًا: حال تفيد شمول الأمر بالهبوط للجميع.
عَدُوٌّ: اسم جنس أو وصف يستوي فيه الواحد والجمع، مأخوذ من العدوان ومجاوزة الحد.
عَدُوٌّ: خبر المبتدأ مرفوع، والجملة الاسمية في محل نصب حال ثانية.
فَإِمَّا: الفاء استئنافية، وإنْ حرف شرط جازم أدغمت في ما الزائدة للتوكيد.
يَأْتِيَنَّكُم: فعل مضارع مبني على الفتح في محل جزم فعل الشرط لاتصاله بنون التوكيد الثقيلة، والكاف مفعول به، والميم للجمع.
مِّنِّي: جار ومجرور متعلق بـ يأتينكم.
هُدًى: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
فَمَنِ: الفاء رابطة لجواب الشرط الأول، ومَن اسم شرط جازم في محل رفع مبتدأ.
اتَّبَعَ: فعل ماضٍ في محل جزم فعل الشرط الثاني، والفاعل مستتر.
هُدَايَ: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة، والياء مضاف إليه.
فَلَا: الفاء رابطة لجواب الشرط الثاني، ولا: نافية.
يَضِلُّ: فعل مضارع مرفوع بضمة ظاهرة، والفاعل مستتر.
وَلَا: الواو عاطفة، ولا: نافية.
يَشْقَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة على الألف، والجملة في محل جزم جواب الشرط، وخبر المبتدأ جملتا الشرط والجواب، والتركيب الشرطي الثاني سد مسد جواب الشرط الأول.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تدشين تاريخ البشرية على ظهر الأرض بمرسوم الهبوط والابتلاء؛ وبيان الدستور الإلهي الحاكم لحياة الإنسانية إلى يوم القيامة.
التناسب البلاغي: الربط المحكم بين اتباع الهدى ونفي الضلال والشقاء؛ فجاء النفي المزدوج {فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} مقابلاً لأعظم مخاوف الإنسان في وجوده.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: لماذا خوطب بـ {اهْبِطَا} بالتثنية ثم قال: {جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ} بالجمع؟
دفع الشبهة وحسن التوجيه:
الخطاب بالتثنية لآدم وحواء لكونهما أصلي النوع الإنساني، وقيل: لآدم وإبليس لكونهما رأسي الصراع الإيماني والشيطاني في الأرض.
جاء الجمع {جَمِيعًا} و{بَعْضُكُمْ} بالنظر إلى ذرياتهما الممتدة؛ فالهبوط شمل آدم وحواء وإبليس معاً، والعداوة مستمرة بين الجنسين؛ ذرية آدم المؤمنة وحزب الشيطان الكافر إلى يوم القيامة.
القاعدة الكلية الجامعة: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ} جرت مجرى المثل الخالد لبيان حتمية السعادة للمتمسكين بالوحي.
إضافة الهدى إلى ضمير الجلالة {هُدَايَ} تشريفاً له وإيذاناً بأنه الهدى الحق المعصوم الصادر من الله.
التدبر الإشاري: القرآن وسنة النبي صلى الله عليه وسلم هما سفينة نوح في بحار الشبهات والشهوات؛ فمن تمسك بهما عصمه الله من ضلال العقل وشقاء القلب ونال سعادة الدارين.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تقديم الإسلام والقرآن كمنهج حياة يرفع الشقاء ويحقق الأمن النفسي والفكري والمجتمعي.
بيان أن الشقاء والاضطراب والقلق الذي تعاني منه البشرية إنما سببه الوحيد هو الإعراض عن هدى الله ومتابعة خطوات الشيطان.
الأثر التربوي والإيماني:
الطمأنينة المطلقة واليقين بأن معية الله وهديه كفيلان بإسعاد العبد في دنياه وأخراه، والاعتصام الدائم بكتاب الله وسنة رسوله.