تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 445)جامع البيانالطبري١٨/٤٤٥: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في بدء قصة آدم وإبليس: {وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ}: واذكر يا محمد حين أمرنا الملائكة الأبرار بالسجود لآدم سجود تحية وتكريم وإظهار لفضله وعلمه، لا سجود عبادة؛ فبادر الملائكة كلهم طائعين ممتثلين: {فَسَجَدُوا}، {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ}: استثنى إبليس وكان معهم مأموراً بالسجود، فامتنع واستكبر وقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين، فكان أصل كل شر وكبر في الوجود.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 348)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٨: يوضح ابن كثير أن السجود لآدم كان طاعة لله وامتثالاً لأمره، وتكريماً لآدم أبي البشر، وأن إبليس كان جِنّياً متعبداً مع الملائكة فغلب عليه خُبث أصله ونزعته النارية الكبرياء والحسد؛ ففسق عن أمر ربه واستحق الطرد واللعنة الأبدية.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 335)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣٣٥: يبين القرطبي أن إبليس لم يكن من جوهر الملائكة النورانيين بل كان من الجن بنص القرآن الصريح في سورة الكهف: {إِلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ}، ودخل في الأمر بالسجود لكونه كان بين أظهرهم ومخاطباً معهم.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 350)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٥٠: يشير ابن عاشور إلى أن التعبير بـ {أَبَىٰ} يدل على الامتناع المقترن بالعناد والتصلب والاستكبار؛ فالإباء هو الامتناع عن أنفة وكبرياء.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
إِذْ: ظرف زمان لما مضى من الزمان، متعلق بفعل محذوف تقديره اذكر.
اسْجُدُوا: السجود: وضع الجبهة على الأرض، وأصله الخضوع والانقياد والتحية.
إِبْلِيسَ: مشتق من الإبلاس وهو اليأس من رحمة الله والسكوت عند انقطاع الحجة، أو هو اسم أعجمي.
أَبَىٰ: الإباء: شدة الامتناع مع التعالي والاستكبار.
الإعراب والتركيب:
وَإِذْ: الواو استئنافية، وإذ ظرف زمان مبني في محل نصب مفعول به لفعل محذوف تقديره اذكر.
قُلْنَا: فعل ماضٍ وفاعله، والجملة مضاف إليه لـ إذ.
لِلْمَلَائِكَةِ: جار ومجرور متعلق بـ قلنا.
اسْجُدُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو فاعل، والجملة مقول القول.
لِآدَمَ: جار ومجرور بالفتحة لمنعه من الصرف متعلق بـ اسجدوا.
إِبْلِيسَ: مستثنى متصل (أو منقطع) منصوب وعلامة نصبه الفتحة دون تنوين للعلمية والعجمة (أو شبه العجمة).
أَبَىٰ: فعل ماضٍ مبني على الفتح المقدر على الألف للتعذر، والفاعل مستتر تقديره هو، والجملة في محل نصب حال من إبليس (أو مستأنفة للتعليل).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: تفصيل قصة العهد الآدمي وبيان جذور العداوة الأزلية بين الشيطان وبني آدم؛ تحذيراً للأمة من الوقوع في حبائل العدو الذي أخرج أباهم من الجنة.
التناسب البلاغي: مجيء فاء التعقيب في {فَسَجَدُوا} لبيان كمال طاعة الملائكة ومبادرتهم دون أدنى تراخٍ، في مقابلة استكبار إبليس المنفرد بالامتناع {إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَىٰ}.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: هل كان السجود لآدم عبادة لغير الله؟ وكيف يأمر الله بالسجود لمخلوق؟
دفع الشبهة والتحقيق الشرعي:
السجود المأمور به كان سجود تحية وتكريم وإعظام لآدم بأمر الله، والعبادة في حقيقتها كانت لله بامتثال أمره وطاعته؛ فلو سجد أحد لآدم بغير أمر الله لكان شركاً، أما حين أمر الله به فكان الامتثال عين التوحيد والعبادة لله.
نظير ذلك استقبال الكعبة في الصلاة؛ فالصلاة والسجود لله وحده، والكعبة قبلة ومظهر لامتثال أمر الله.
في شريعة الإسلام حُرم سجود التحية لغير الله سداً لذريعة الشرك وحماية لجناب التوحيد.