تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 424)جامع البيانالطبري١٨/٤٢٤: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس ومجاهد وقتادة في قوله: {فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا}: أي فيترك الأرض بعد نسف جبالها أرضاً ملساء مستوية ممتدة، لا نبات فيها ولا بناء، والقاع: هو المكان المنبسط المنخفض المستوي الذي يستقر فيه الماء، والصفصف: الأرض الملساء المستوية التي كأنها صف واحد مستوٍ لا ارتفاع فيه ولا انخفاض.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 340)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٤٠: يوضح ابن كثير أن الضمير في {فَيَذَرُهَا} يعود على الأرض لدلالة السياق والقرينة عليها، أو يعود على أماكن الجبال ومقارها؛ فيتركها الله أرضاً ممدودة وممهدة كالأديم ليس فيها موضع قدم أعلى من موضع آخر؛ لتتسع لجميع الخلائق من لدن آدم إلى قيام الساعة في صعيد واحد.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 315)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٣١٥: يبين القرطبي أن الصفصف مأخوذ من الصف، وهو استواء الأجزاء كأنها سطر مستقيم، وهو توكيد لمعنى القاع؛ ليقرر في الأذهان زوال كل التضاريس والآكام والوهاد.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 333)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٣٣٣: يشير ابن عاشور إلى بديع النظم في اختيار لفظي {قَاعًا صَفْصَفًا}؛ فالقاع يدل على الاستواء الطيني الخالي من الحجارة، والصفصف يدل على الامتداد المتجانس على مستوى واحد كأنه بساط ممدود.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
فَيَذَرُهَا: الوذر: الترك والإبقاء، ولا يستعمل منه ماضٍ في الفصيح المشهور بل مضارع وأمر.
قَاعًا: القاع: الأرض السهلة المنبسطة المنخفضة المستوية الخالية من الشجر والحجارة.
صَفْصَفًا: الصفصف: المستوي من الأرض الأملس المتماثل، مأخوذ من الصف لتساوي أجزائه.
الإعراب والتركيب:
فَيَذَرُهَا: الفاء عاطفة تفيد الترتيب والتعقيب، ويذر فعل مضارع مرفوع وعلامة رفعه الضمة، والفاعل مستتر تقديره هو يعود على ربي، والهاء: مفعول به أول منصوب يعود على الأرض أو مقار الجبال.
قَاعًا: مفعول به ثانٍ لـ يذر منصوب وعلامة نصبه الفتحة (أو حال).
صَفْصَفًا: نعت لـ قاعاً منصوب وعلامة نصبه الفتحة (أو مفعول به ثانٍ إن كان قاعاً حالاً).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: بيان للأثر الجيولوجي الحتمي المترتب على نسف الجبال؛ فالنسف التام يعقبه تسوية الأرض وبسطها كالصعيد الواحد لاستقبال محكمة العدل الإلهية.
التناسب البلاغي: الربط بفاء التعقيب {فَيَذَرُهَا} لبيان سرعة تحول التضاريس الوعرة إلى أرض مستوية ملساء بأمر الله وقدرته.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: إلى ماذا يعود الضمير المؤنث في {فَيَذَرُهَا} مع أن الجبال جمع غير عاقل مذكور في الآية السابقة؟
دفع الشبهة:
يعود على الأرض؛ وإن لم يجرِ لها ذكر صريح في الآية السابقة لدلالة الجبال عليها؛ فالجبال أوتاد الأرض، فإذا نسفت الجبال تُرِكت الأرض قاعاً صفصفاً، وهذا أسلوب قرآني شائع كقوله تعالى: {حَتَّىٰ تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ} أي الشمس.
وقيل: يعود على الجبال نفسها بتأويل (أماكنها وبقاعها)، فتصير مقار الجبال الشاهقة قاعاً مستوياً بالأرض.
الجمع بين الوصفين {قَاعًا صَفْصَفًا} لإحكام تصوير الاستواء المطلق التام للأرض.
الإيقاع الصوتي الفخم لكلمة {صَفْصَفًا} بما فيها من تكرار الصاد والفاء، يجسد امتداد الأفق واستواء السطح.
التدبر الإشاري: أرض المحشر ممهدة مستوية لا حجاب فيها ولا ستر؛ تماثل تجرد القلوب والنفوس في ذلك اليوم من كل حجب الدنيا وزخارفها لتقف عارية بين يدي علام الغيوب.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
تصوير أرض المحشر للمؤمنين لتثبيت الإيمان باليوم الآخر وعظم المشهد.
إدراك أن الدنيا دار التواء ومصاعب، والآخرة دار الاستواء والجزاء الحق.
الأثر التربوي والإيماني:
الاستعداد لذلك اليوم الذي لا مغار فيه ولا كهف يختبئ فيه الظالم، ولا حجر يواري المفرط؛ فالأرض قاع صفصف والرقابة إلهية نافذة.