تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 337)جامع البيانالطبري١٨/٣٣٧: يروي الطبري عن ابن عباس ووهب بن منبه والسدي أن موسى عليه السلام قال لهم: {بَلْ أَلْقُوا}: أي ألقوا أنتم أولاً، وإنما أمرهم بذلك ليرى الناس سحرهم وبطلان كيدهم أولاً، فإذا استفرغوا وسعهم وأظهروا أقصى ما عندهم، جاء الحق فأزهق باطلهم دفعة واحدة فلا يبقى لهم حجة ولا استدراك. فألقوا حبالاً غلاظاً وعصياً طوالاً، قد طلوها بالزئبق وجعلوا في جوفها الزئبق، فلما حميت الشمس تحركت واهتزت وخُيل للناظرين أنها حيات وأفاعٍ تلتوي وتسعى.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 309)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٠٩: يوضح ابن كثير حقيقة السحر الذي مارسوه، وأنه كان سحر تخييل وتلبيس للأبصار، كما قال تعالى في سورة الأعراف: {سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ}، فلم تكن الحبال والعصي حيات حقيقية بل خيل للناس ولموسى عليه السلام بفعل السحر والزئبق وحرارة الشمس أنها تسعى كالحيات الحقيقية.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 229)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٢٩: يذكر القرطبي القراءات في قوله: {يُخَيَّلُ}: قرأ الجمهور: {يُخَيَّلُ} بالياء مبنياً للمفعول، ونائب الفاعل هو المصدر المؤول {أَنَّهَا تَسْعَىٰ}، وقرأ ابن ذكوان عن ابن عامر: {تُخَيَّلُ} بالتاء الفوقية لتأنيث الحبال والعصي، أو لتأنيث الفعل والمسند إليه.
تفسير ابن عاشور (التحرير والتنوير، ج 16، ص 264)التحرير والتنويرابن عاشور١٦/٢٦٤: يبين ابن عاشور عمق الحكمة في قوله: {بَلْ أَلْقُوا}، حيث ترك لهم المبادرة ليتحول موسى من موقع المهاجم إلى موقع القاضي والمبطل، وليبلغ الباطل أقصى غايته وزخرفه أمام الجماهير، فيكون سقوطه بعد ذلك أدوأ وأفضح.
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
بَلْ: حرف إضراب وانتقال، أضرب به عن خيار إلقائه أولاً واختار أن يبدؤوا هم.
حِبَالُهُمْ: جمع حبل، وهو ما رُبط به وشد.
عِصِيُّهُمْ: جمع عصا، وتجمع على عِصِيّ وأَعْصٍ وعِصِيَان.
يُخَيَّلُ: التخييل: تصوير الشيء في الوهم والخيال على غير حقيقته الواقعية.
تَسْعَىٰ: السعي: المشي السريع الحثيث، وتطلق على حركة الحيات السريعة.
الإعراب والتركيب:
قَالَ: فعل ماضٍ، وفاعله مستتر.
بَلْ: حرف إضراب مبني على السكون.
أَلْقُوا: فعل أمر مبني على حذف النون، والواو: فاعل.
فَإِذَا: الفاء عاطفة، وإذا: الفجائية حرف مبني على السكون لا محل له من الإعراب.
يُخَيَّلُ: فعل مضارع مبني للمجهول مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
إِلَيْهِ: جار ومجرور متعلق بـ يُخَيَّلُ.
مِن سِحْرِهِمْ: جار ومجرور متعلق بمحذوف حال، أو متعلق بـ يُخيل والسببية ملحوظة هنا.
أَنَّهَا: أنّ حرف مشبه بالفعل، والهاء: اسمها.
تَسْعَىٰ: فعل مضارع مرفوع بضمة مقدرة، والفاعل مستتر، والجملة في محل رفع خبر أنّ، والمصدر المؤول من أنّ واسمها وخبرها في محل رفع نائب فاعل لـ يُخَيَّلُ، وجملة التخييل في محل رفع خبر المبتدأ (حبالهم وعصيهم).
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: جاء رد موسى بحزم وثقة مطلقة بربه: {بَلْ أَلْقُوا}، فما إن ألقوا حتى فاجأ المشهد الأبصار بحركة هائلة للأوهام والتخييلات التي ملأت وادي النزال.
النظم الإعجازي: مجيء {إِذَا} الفجائية يرسم صورة سينمائية مباغتة لانقلاب الساحة فجأة إلى ألوف الحيات المتحركة التي تخطف الأبصار وتثير الهلع، وهو ما هيأ المشهد للمفاجأة الكبرى بمعجزة موسى.
كشف الشبهات والمحاكمة العقلية
توجيه المحاكمة العقلية ودفع الإشكالات (على منهج الإمام الرازي في «التفسير الكبير» والشنقيطي في «دفع إيهام الاضطراب»):
شبهة: كيف يُخيّل إلى موسى وهو نبي معصوم أن الحبال تسعى؟ ألا يقدح ذلك في العصمة النبوية؟
دفع الشبهة ودحض الزيغ:
التخييل المذكور هنا هو الأثر الطبيعي البصري لخداع الحواس المشترك بين جميع البشر؛ فالأنبياء بشر تجري عليهم عوارض الطبيعة البشرية من رؤية الخداع البصري كما يرى الإنسان السراب ماءً، دون أن يغير ذلك من يقينهم القلبي ولا من عصمتهم في تبليغ الوحي.
قوله: {يُخَيَّلُ إِلَيْهِ} شهادة قرآنية صريحة على أن الحبال لم تنقلب أفاعي حقيقية، بل كانت حبالاً وعصياً بقيت على ماهيتها، والتغير إنما كان في إدراك الأعين بفعل سحر التخييل.
عصمة الأنبياء تتعلق بتلقي الوحي وتبليغه وحفظ الرسالة، أما إدراك الحواس للظواهر البصرية الخداعية فلا يمس العصمة بوجه من الوجوه، بل يؤكد بشريتهم وصدق معجزاتهم حين تخرق العادة حقيقة لا تخييلاً.
الإضراب بـ {بَلْ} يعبر عن منتهى الشجاعة ورباطة الجأش؛ فالواثق لا يخشى مفاجآت الخصم.
مفاجأة المشهد بـ {فَإِذَا} التي تدل على سرعة الحدوث والتحول المباغت للأشياء في عين الرائي.
قيد {مِن سِحْرِهِمْ} لبيان سبب التخييل وأنه ليس حقيقة ذاتية، بل صناعة مادية كيدية زائلة.
التدبر الإشاري: الباطل له بريق وزخرف وتخييل يملأ الأعين ويرهب القلوب الضعيفة، لكنه في حقيقته خواء لا يملك مقومات البقاء إذا برزت حقيقة الحق.
التوجيه الدعوي والتربوي والوجدان الإيماني
الهدايات التزكوية والمقاصد العملية والإيمانية (على هدي ما فصله الشيخ السعدي في «تيسير الكريم الرحمن» والإمام ابن القيم في «مدارج السالكين»):
التوجيه الدعوي:
إتاحة الفرصة للمبطلين ليعرضوا شبهاتهم كاملة أمام الناس إذا كان الداعية واثقاً من أدلة الحق وحججه؛ لأن دحض الشبهة بعد استفحالها واكتمالها يكون أوقع في النفوس وأقهر للباطل.
التمييز الدقيق بين التخييل البصري وبين الحقائق الوجودية؛ فلا ينبهر المؤمن بالضجيج الإعلامي الذي يجعل من الحبال ثعابين.
الأثر التربوي والإيماني:
طمأنينة القلب باللجوء إلى الله مهما تعاظمت فنون التضليل وتكاثرت حبال المكر وأحابيله.