قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ
قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ
يبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة رد فعل فرعون الاستكباري بعد سماع هذا البلاغ الحازم؛ حيث تجاهل حقيقة الرسالة، وتظاهر بالجهل برب العالمين، وفتح باب المناظرة الفكرية؛ قال الطبري في جامع البيان (18/349)مصدر غير محدد١٨/٣٤٩: «يقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى وهارون حين أبلغاه رسالة ربهما: فمن هو ربكما يا موسى الذي تزعمان أنه أرسلكما إليّ؟ ولست أعلم لكم رباً ولا إلهاً في مصر غيري! وخص موسى بالخطاب والنداء دون هارون؛ لأنه كان صاحب الآيات والمعجزات والرأس في الرسالة». وقال ابن كثير في تفسيره (5/277)مصدر غير محدد٥/٢٧٧: «{قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ} أي: من هذا الإله الذي أرسلكما، والذي تدعيان أنه ربكما وربي؟ فإن فرعون كان جاحداً للصانع سبحانه، مدعياً للربوبية في قومه: {فَقَالَ أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَىٰ}، وقال: {مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرِي}؛ فسأل موسى سؤال مستنكر متجاهل متعجب من هذه الدعوى». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/203)مصدر غير محدد١١/٢٠٣: «قال فرعون: {فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَىٰ} ثنّى في "ربكما" لكونهما معاً، ثم خص موسى بالنداء إما لأنه صاحب البداية والمعجزات، وإما لعلمه بفصاحة هارون فأراد محاورة موسى طمعاً في ظهور لكنته وعقدة لسانه التي كان يعرفها عنه قديماً في قصره!». وقال السعدي في تفسيره (ص 504)مصدر غير محدد٥٠٤: «هذا سؤال منكر معاند؛ يدعي أنه لا يعرف رباً غير نفسه، ويسأل موسى عن ربه استهزاءً وتعجيباً».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): يمثل هذا السؤال بداية المعركة الكلامية والمناظرة العقدية الكبرى في التاريخ بين الإيمان الصادع والكفر المتجبر؛ فبعد أن ألقى موسى وهارون بيانهما المحكم، لم يجد فرعون بداً من الدخول في جوهر القضية. والنظم هنا يعكس المكر الجدلي للمستبدين؛ ففرعون يعلم وجود الإله في قرارة فطرته، ولكنه يحاول حرف النقاش إلى التشكيك والجدل الميتافيزيقي السفسطائي، لعله يجد ثغرة يشوش بها على عقول حاشيته والمحيطين به.