قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ
قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ
يبين الله جل وعلا في هذه الآية الكريمة حيلة فرعون ومراوغته الجدلية بعد أن سقطت حجته أمام برهان موسى الباهر؛ حيث هرب من الدليل العقلي المشاهد إلى إثارة الخلاف التاريخي واستدعاء مصائر الأسلاف؛ قال الطبري في جامع البيان (18/353)مصدر غير محدد١٨/٣٥٣: «يقول تعالى ذكره: قال فرعون لموسى لما بهته بالحجة القاطعة في صفة ربه: فما شأن القرون والأمم الخالية الماضية، كقوم نوح وعاد وثمود؟ ما بالهم عبدوا الأوثان وكفروا بإلهك الذي تدعو إليه؟ وما مصيرهم عندك؟ أراد فرعون بذلك أن يشغب على موسى، ويهيج عليه قومه من قريش ومصر، ليوهمهم أن موسى يزعم أن آباءهم وأجدادهم في النار وضلال مبين!». وقال ابن كثير في تفسيره (5/278)مصدر غير محدد٥/٢٧٨: «الأصح في معنى الآية: أن فرعون لما ألزمه موسى بتلك الحجة القاطعة العظيمة، وهي أن ربه هو الذي خلق وهدى، ولم يكن لفرعون جواب عن ذلك البتة، عدل عن الكلام إلى أمر آخر، وسأل سؤال تشغيب وتضليل: فما بال القرون الأولى الذين لم يعبدوا ربك، بل عبدوا الأوثان؟ أراد أن يقول: لو كان ما تقوله حقاً لما غفل عنه أولئك الأجداد والملوك والعلماء في القرون الماضية!». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/205)مصدر غير محدد١١/٢٠٥: «هرب فرعون من مضيق الحجة إلى تاريخ الأمم؛ ليقطع كلام موسى ويثير عاطفة الحاضرين؛ لأن الإنسان مجبول على تعظيم أسلافه، فإذا قيل له إن أسلافك كانوا على ضلال هاجت حميته الجاهلية». وقال السعدي في تفسيره (ص 504)مصدر غير محدد٥٠٤: «هذه مراوغة معروفة من أهل الباطل؛ إذا أفحمتهم الحجة، لجأوا إلى تقليد الآباء والاحتجاج بالماضي: {فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَىٰ}، يريد بذلك: هل ضلوا كلهم وأنت وحدك على الحق؟».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذا السؤال المباغت يمثل نقطة انعطاف في المناظرة تكشف مهارة القرآن في فضح أساليب المستبدين: