قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ
قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَىٰ
يبين الله تعالى في هذه الآية الكريمة الموقف النفسي والوجداني لموسى وهارون عليهما السلام عند تلقي الأمر بمواجهة فرعون؛ حيث أفصحا لربهما عن مخافتهما البشرية من سطوة هذا الطاغية وعجلته بالبطش؛ قال الطبري في جامع البيان (18/342)مصدر غير محدد١٨/٣٤٢: «يقول تعالى ذكره: قال موسى وهارون حين أمرهما ربهما بالمضي إلى فرعون: يا ربنا إننا نخاف أن يعجل علينا فرعون بالعقوبة، ويبادرنا بالبطش قبل أن نبلغه رسالتك ونقيم عليه حجتك، أو أن يطغى؛ أي يتجاوز الحد في الاستكبار والظلم والتجبر فلا يقبل منا شيئاً». وقال ابن كثير في تفسيره (5/276)مصدر غير محدد٥/٢٧٦: «يقولان: يا ربنا، إننا نخشى أن يبسط إلينا يده بالقتل أو العقوبة الفورية، ولا يمهلنا حتى نبلغه كلامك، أو أن يزداد عتواً وتمرداً فيزداد طغيانه؛ وهذا الخوف منهما خوف طبيعي من بطش الجبار، وقد لجآ به إلى الله تبارك وتعالى طلباً للتثبيت والحماية». وقال الضحاك وابن عباس: «{أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا} أي يعجل علينا بالقتل والعقوبة، مأخوذ من الفارط الذي يسبق القوم إلى الماء؛ {أَوْ أَن يَطْغَىٰ} أي يتعدى الحق ويعتدي علينا بالقول أو الفعل السيئ». وقال السعدي في تفسيره (ص 504)مصدر غير محدد٥٠٤: «هذا السؤال منهما ليس استعفاءً من الرسالة، ولا نكوصاً عن طاعة الله، بل هو إظهار للافتقار والضعف البشري، وطلب لمعونة الله وحفظه ليكلأهما برعايته في هذا المقام المخوف».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): جاء هذا الإفصاح المشترك فور الأمر الإلهي الحازم: {اذْهَبَا إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا}؛ فلم يكتم موسى وهارون ما يجيش في نفسيهما من توجس بشري طبيعي أمام سلطان جبار يملك الجيوش والسياط والسجون. والنظم هنا يبرز كمال العبودية؛ فالعبد الصادق لا يدعي الشجاعة الكاذبة ولا يخفي ضعفه عن ربه، بل يبث مخاوفه وفقره إلى مولاه، ليكون ذلك سبباً في تنزل المدد والمعية الخاصة التي لا تنفصم؛ فكان هذا الخوف توطئة للوعد الرباني العظيم في الآية التالية.