تفسير الطبري (جامع البيان، ج 18، ص 382)جامع البيانالطبري١٨/٣٨٢: يروي الطبري بإسناده عن ابن عباس وقتادة ومجاهد أن موسى عليه السلام لما علم بالفتنة رجع مسرعاً إلى قومه: {غَضْبَانَ أَسِفًا}: أي ممتلئاً غضباً شديداً لله على ما أحدثوا، وحزناً كئيباً أسفاً على ردتهم، فبادرهم بالتقريع والتذكير: {أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْدًا حَسَنًا}: بإظفاركم بعدوكم، وإنزال التوراة فيها هدى ونور، وإدخالكم الأرض المقدسة؟ {أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ الْعَهْدُ}: أطالت عليكم المدة التي غبتها عنكم وكانت أربعين ليلة فاستبطأتموها ونسيتم العهد؟ {أَمْ أَرَدتُّمْ أَن يَحِلَّ عَلَيْكُمْ غَضَبٌ مِّن رَّبِّكُمْ}: أم أردتم بصنيعكم هذا أن يستوجبكم سخط الله وعذابه، {فَأَخْلَفْتُم مَّوْعِدِي}: بترك الاستقامة وعبادة العجل.
تفسير ابن كثير (تفسير القرآن العظيم، ج 5، ص 326)تفسير القرآن العظيمابن كثير٥/٣٢٦: يبين ابن كثير أن الجمع بين الغضب والأسف يصور أقصى درجات الانفعال النبوي الشريف؛ فالغضب لانتهاك حرمات التوحيد، والأسف والحزن على هؤلاء الأتباع الذين سقطوا في حمأة الشرك بعد كل تلك الآيات.
تفسير القرطبي (الجامع لأحكام القرآن، ج 11، ص 272)الجامع لأحكام القرآنالقرطبي١١/٢٧٢: يوضح القرطبي أن الأسف في لغة العرب يطلق على معنيين: الحزن، وشدة الغضب، واجتماع الوصفين هنا: {غَضْبَانَ أَسِفًا} يدل على أنه جمع بين الغيظ العارم على فعلهم والحزن البالغ على مآلهم.
الحديث النبوي الصحيح في المسألة: أخرج الإمام أحمد في مسنده وصححه ابن حبان من حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ؛ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ مُوسَى بِمَا صَنَعَ قَوْمُهُ فِي الْعِجْلِ فَلَمْ يُلْقِ الْأَلْوَاحَ، فَلَمَّا عَايَنَ مَا صَنَعُوا أَلْقَى الْأَلْوَاحَ فَتَكَسَّرَتْ".
البناء اللغوي والمعجمي والإعرابي
بيان الوجوه الإعرابية والدقائق اللغوية (كما في «اللباب في علوم الكتاب» لابن عادل و«التحرير والتنوير» لابن عاشور و«المفردات» للراغب):
المعجم والاشتقاق:
غَضْبَانَ: صفة على وزن فَعلان تدل على الامتلاء بالغضب والغيظ.
أَسِفًا: صفة مشبهة على وزن فَعِل، مأخوذة من الأسف وهو شدة الحزن والغم، أو شدة الغضب.
الْعَهْدُ: الزمان، أو الميثاق، أو مدة الغيبة.
مَّوْعِدِي: موعدي الذي واعدتكم عليه من الثبات على طاعة الله ولزوم التوحيد وطاعة هارون.
الإعراب والتركيب:
فَرَجَعَ: الفاء عاطفة، ورجع فعل ماضٍ مبني على الفتح.
مُّوسَىٰ: فاعل مرفوع بضمة مقدرة على الألف للتعذر.
إِلَىٰ قَوْمِهِ: جار ومجرور متعلق بـ رجع، والهاء: مضاف إليه.
غَضْبَانَ: حال أولى منصوبة وعلامة نصبها الفتحة، ومنع من الصرف للوصفية وزيادة الألف والنون.
أَسِفًا: حال ثانية منصوبة وعلامة نصبها الفتحة.
قَالَ: فعل ماضٍ، والفاعل مستتر.
يَا قَوْمِ: يا حرف نداء، وقومِ منادى مضاف منصوب بفتحة مقدرة على ما قبل ياء المتكلم المحذوفة.
أَلَمْ: الهمزة للاستفهام التقريري الإنكاري، ولم: حرف نفي وجزم وقلب.
يَعِدْكُمْ: فعل مضارع مجزوم بـ لم وعلامة جزمه السكون، والفاعل ربكم، والكاف: مفعول به أول.
رَبُّكُمْ: فاعل مرفوع، والكاف: مضاف إليه.
وَعْدًا: مفعول به ثانٍ (أو مفعول مطلق) منصوب وعلامة نصبه الفتحة.
حَسَنًا: نعت لـ وعداً منصوب.
أَفَطَالَ: الهمزة للاستفهام الإنكاري، والفاء عاطفة، وطال فعل ماضٍ مبني على الفتح.
عَلَيْكُمُ: جار ومجرور متعلق بـ طال.
الْعَهْدُ: فاعل لـ طال مرفوع وعلامة رفعه الضمة.
أَمْ: حرف عطف منقطعة بمعنى بل والهمزة.
أَرَدتُّمْ: فعل ماضٍ وفاعله.
أَن يَحِلَّ: المصدر المؤول في محل نصب مفعول به لـ أردتم.
عَلَيْكُمْ: جار ومجرور متعلق بـ يحل.
غَضَبٌ: فاعل يحل مرفوع بالضمة.
مِّن رَّبِّكُمْ: جار ومجرور متعلق بمحذوف نعت لـ غضب.
فَأَخْلَفْتُم: الفاء عاطفة مسببة، وفعل وفاعل.
مَّوْعِدِي: مفعول به منصوب بفتحة مقدرة، والياء مضاف إليه.
النظم وتناسب الآيات والسياق
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»):
المناسبة والسياق: مشهد المواجهة الحارقة بين موسى عليه السلام وبين قومه الذين عبدوا العجل؛ حيث انصب خطابه كالصواعق المقرعة لضمائرهم.