إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا
إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا
يختتم كليم الله موسى عليه السلام دعاءه الجامع بهذا التوسل العظيم بأوصاف الله وعلمه وبصره المحيط بحاله وحال أخيه؛ قال الطبري في جامع البيان (18/322)مصدر غير محدد١٨/٣٢٢: «يقول تعالى ذكره: إنك يا ربنا كنت بأحوالنا عليماً وبصيراً منذ خلقتنا، تعلم ضعفنا وفقرنا وحاجتنا إلى عونك، وتعلم صدق نياتنا فيما سألناك من شرح الصدور وتيسير الأمور والتعاون على طاعتك، فاخترتني وعلمت أن هارون يصلح لما سألتك له». وقال ابن كثير في تفسيره (5/273)مصدر غير محدد٥/٢٧٣: «{إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا} أي: في اختيارك إيانا، وإعطائك النبوة لنا، وإرسالك إيانا إلى عدوك فرعون؛ فلك الحمد والمنة أولاً وآخراً؛ وتعلم حالنا وضعفنا وافتقارنا إلى تأييدك ومعونتك». وقال القرطبي في الجامع لأحكام القرآن (11/198)مصدر غير محدد١١/١٩٨: «هذا ختام بليغ وتفويض تام إلى الله تعالى؛ أي علمت أحوالنا قبل أن نسألك، وما سألناك إلا لعلمنا بأنك تبصر ما يصلحنا وترعانا بلطفك». وقال السعدي في تفسيره (ص 503)مصدر غير محدد٥٠٣: «توسل إلى الله ببصره التام المحيط بهما، وعلمه بضعفهما وعجزهما وشدة حاجتهما إلى التثبيت والتأييد؛ ومن كمال الأدب في الدعاء أن يتوسل العبد بصفات الرب وعلمه بفقر السائل وحاجته».
تحرير لطائف النظم ومواقع التناسب والسياق (على ما قرره الإمام البقاعي في «نظم الدرر» والفخر الرازي في «مفاتيح الغيب»): هذه الآية الكريمة تمثل براعة مقطع وختاماً معجزاً للدعاء النبوي المبارك؛ فبعد أن بسط موسى مطالبه السبعة بدقة وافتقار، ختم كلامه بالتفويض المطلق لعلم الله وبصره: {إِنَّكَ كُنتَ بِنَا بَصِيرًا}. وهذا التناسب يعكس كمال الأدب العبودي؛ فكأنه يقول: يا رب، هذا ما سمحت به حاجتي وضعفي أن أطلبه بلساني، وأنت بحالنا أبصر، وبعجزنا أعلم، وبما يصلح رسالتنا أدرى، فاقض لنا ما تراه بحكمتك وبصرك المحيط؛ فكان هذا الختام جامعاً بين كمال الطلب وكمال الرضا والتفويض.